» مقدمة

بِسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم

مقدمة  البحث

مارست التعامل وفق النظام الإقتصادي الإسلامي ؛ من خلال إشتراكي في إدارة معاملة إستثمارية مُوّل رأس مالها مشاركة مع مؤسسة مالية تعلن عن إلتزامها بمبادئه وأحكامه . وقد أدى ما تعرضنا له من صعوبات في التطبيق نتيجة الإختلاف في الرأي والتفسير ؛ إلى إهتمامي بموضوع هذا النظام الإقتصادي بشكل عام ، وبعقد المضاربة بشكل خاص، إذ وجدت فيه المعاملة التي تحل محل التمويل الربوي ؛ ويحصل عن طريقها أصحاب الأعمال والحرفيَّون والمهنَّيون والتجار وغيرهم على التمويل الذي تحتاجه أعمالهم بصورة رأس مال مشارك في الربح . إلا أنني وجدت أيضًا فيما قرأت عُزوفًا عند أصحاب المال عن إستثمار أموالهم عن طريق المضاربة؛ وحيث أنني قد عايشت بعض هذه الظروف من خلال الممارسة العملية ؛ فقد حاولت معالجة هذه الأسباب بهدف الوصول إلى الصيغة العملية التي تناسب طرفي المعاملة ؛ وتناسب ظروف ومتطلبات هذا العصر ، وتعود بالخيرِ على المجتمع.

بدأت إنطلاقًا من قاعدة أن هذا العقد يجب أن يكون في أصلهِ صَحيحًا وعمليًا وصالحًا للتطبيق في كل زمان وكل مكان ، فهذا من العقود الشرعية الإسلامية؛ التي صيغت قواعدُها وفْق نظامٍ إِلهي مُحكَمٍ لا يضاهيه أو يقارن به أي نظامٍ إقتصادي آخرَ ، وقد خرجت والحمد لله تعالى بنتيجة تؤكد ما بدأت به ؛ تَتَمَثَّلُ في أن عقد المضاربة وغيره من عقود المشاركات تُعتبُر عقودًا رائعة وعمليةً وصالحةً للتطبيق في هذا العصر وفي غيره من العصور، بل وتُكَوِّنُ إحْدى القواعد المهمة التي سيقوم عليها النظام الإقتصادي الإسلامي الذي تتضافرُ الجهود المخلصة لإقامته .

والنظام الإقتصادي الإسلامي جُزْء من كُلِّ، يقول الدكتور محمود أبو السعود في كتابه ”خطوط رئيسية في الإقتصاد الإسلامي“ ص16 ”الإسلام وحدة نظامية شاملة مُتكاملة لضروب الحياة المختلفة، له سُـبُله ومُثُله العُليا وقوانينُه وتشريعاتُه ، وإن لمن الخطأ البيّن والظلم الفادح لهذا النظام أن نحاول فصل الجزء عن الكل، أو أن نطبق البعض دون البعض ، وما مصير تلك المحاولات إلا الفشل المحتوم .. ويضيف الدكتور الجليل : إذ كثير أولئك الذين يظنون إمكانية تطبيق النظام الإسلامي الإقتصادي في مجتمع ليس له من الإسلام إلا الأسم“.

إلا أن على المجتمع أن يبدأ المسيرة من مكانٍ ما ، بل وربما كان السبيل إلى الوصول إلى هذا المجتمع المسلم المخلص المؤمن ، هو في التطبيق الصحيح للنظام الإقتصادي الإسلامي، فمن خلال هذا النظام .. يتحققُ العدل وتَنْتَفي أسباب العداوة والبغضاء بين أفراده ؛ ويحل محلهما الحُبُّ والمودَّةُ والتَّراحمُ والتَّـآخي ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبُّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لنَفْسِهِ).

وقد تطرَّقت إلى البحث في الباب الأول من خلال ثَلاث مراحل، فتناولت بإيجاز التَّعريفَ بالمال والعَقْد والرَّبا والمعاملات؛ فمررتُ مُرورًا سريعًا على المعاوضات ومنها البيع والإجارة والجعالة، وعلى المشاركات ومنها الشركة المُزارعة والمُساقاة . وقد عنيت فقط بالتعريف بهذه الموضوعات لعلاقتها بعقد المضاربة ولأنَّها المدخل إليه.

ثم عَرضتُ في الباب الثاني للمضاربة ، كما وردت في مراجع الفقْه الإسلامي؛ مُبَّينًا ما جاء عنها عند مختلف المذاهب ، ومتناولاً تعريفها ومشروعيتها وأركانَ العقدِ والشُّروطَ والأحْكامَ .

ثم عرضت في الباب الثالث موضوع طبيعة المضاربة ؛ وتطرقت إلى آراء المذاهب فيما يتعلق بجوازِ العمل بهذا العقد في مجالات الإستثمار في الزراعة والصناعة؛ وناقشت الأسباب التي قد تكون ما دعاهم أغلب المذاهب إلى حصر المضاربة في مجال التجارة ؛ لأهمية هذا الأمر في عَصْرِنا الحالي الذي تغلب عليه سمة الصناعة.

وتناولت في الباب الرابع دراسة عقد المضاربة وتكييفه بما يناسب إحتياجات هذا العَصْرِ ، وإتبعت نفس التبويب الذي جاء في الباب الثاني لتيسير المُقارنة والمراجعة، وقد بَيَّنتُ بالتفصيل بنود هذا العقد وتطبيقاتها العملية والعصرية.

وتطرَّقْتُ في الباب الخامس إلي تفْصيلِ بَنْدَيْن هما : نفقة العامل ؛ والعمل الذي يُلزِمه به العَقْدُ ، وقد اخترتُ هَذَيْن البَنْدَيْن لأهميتهما في إمكانية إخراج الصيغة العملية لهذه المعاملة ، ودرست في هذا الباب أيضًا المنافع التي قد يقدمها أحد طرفي المعاملة وأثرها في النماء.

ثم تناولت في الباب السادس المضاربة والمشاركة ؛ من خلال دراسة المشاركات التي وردت في بعض المَراجع الفقهية؛ بغرض الوصول إلى فهم أفضل لكنه هذه المعاملة ، ثم تطرقت إلى دراسة العناصر التي يتكون منها نصيبُ المالِ ونصيبُ العملِ من الربح ؛ في محاولةٍ لإلقاء بعضِ الضوءِ على القواعد التي تؤثرُ على تحديد النسب العادلة لتوزيع الرِّبح بين رب المال والعامل ، ثم إقترحت الأسُس التي يمكن من خلالها توفير عناصر الثقة والأمان والإطمئنان للمتعاقدين في هذه المعاملات، حتى يقْبِل عليها أصْحاب المالِ فتتحققُ منفعتُها المرجُوة ؛ المتمثلة في إدارة عَجَلة الإنتاج ؛ فتتوفَّرُ فرصُ العملِ؛ وترتفعُ معدَّلات النموِ؛ وينتشر الرخاء في مُجتمعاتِنا الإسلامية.

وأتوجهُ بالشكرِ والتقديرِ إلى كل الفقهاءِ والكتاب الذين تناولوا هَذا الموضوعَ في العقود القريبة الماضيةِ؛ وبذلوا الجهدَ في جمعِ المعلومات من المراجع الفقهية – قديمها وحديثها – فقد مهدَّوا لي الطريقَ الذي سرتُ فيه؛ جزاهمُ الله خَيْرًا . وأذكر بالشكر مَكْتبةَ المركز الثقافي الإسلامي بمسجدِ ريجنت ، والتي يَسَّرت ليَّ الإطلاعَ على عَشرات المُؤلفات التي وضعها فُقهاء وعُلماء الأمة السَّابقون ؛ رضي الله عنهم ؛ والتي كان لها الفضلَ الكبيرُ في خروجِ هذا البحثِ.

وإنني إذْ أتقدَّم بهذا العملِ المتواضعِ ، أترك الرأي في أمره لأهل الفقه في هذه الأمة ؛ راجيًا أن تكون فيه المنفعةُ والخير … فإن يك صوابًا .. فمن عند الله سبحانه وتَعالي ؛ وإن جانب الصواب فمن عندي ، أسْألُ الله عز وجل المغفرةُ والعفوَ.

                        تم بِعوْنِ الله سبحانَهُ وتَعالى في شهرِ رمضانَ سنة 1413 هجرية.


<< الفهرس next page >>