الفصل الثالث – آيات كونية

ونورد هنا بعض الدلائل القرآنية الأخرى التي قد تشير إلى تفسير الأرض بمعنى النفضة أو الرعدة:

{ أولم يروا إنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } 13/41

إختلف المفسرون الأوائل في معنى هذه فقال ابن عباس : أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض، وقال الحسن والضحاك : هو ظهور المسلمين على المشركين، وقال نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض، وقال الشعبي : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات . وقال ابن عباس في رواية : خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضًا : هو موت العلماء .

 { .. أفلا يرون أنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } 21/44

وقد تحير المفسرون الأوائل في تفسير هاتين الآيتين، وقيل أن معناها الظاهري لا يؤخذ لأن الأرض لو تناقصت وضاقت لأطبق جدران البيت على أهله، ووصلوا إلى أن المعنى الأرجح أن تضيق معايش الناس.

ولو نظرنا الى لفظ الأرض بمعنى طاقة، والطاقة الكونية كانت أقصاها عند بدء الخليقة، وأخذت تتناقص في صورتيها الحرارية والترددية منذ ذلك الوقت حتى يومنا، نتيجة تحول بعضها الى مادة ونتيجة ما يستنفذ منها في تمدد الكون ومقاومة الجاذبية التي تحاول إيقاف هذا التمدد، ويتضح هذا من التناقص المستمر لمعدل حرارة الكون منذ البدأ، وستستمر الطاقة في التناقص حتى إما يصل التمدد الى أقصاه وهذا في حالة الكون المغلق، أو تستمر في التناقص حتى يصبح الكون كله باردًا لا حياة فيه في حالة الكون المفتوح، وكلا الحالتين يدلان على انتهاء حياة كوننا.

ونقصان الطاقة لا يعنى زوالها، وانما تحولها الى صورها الأخرى من مادة مرئية وربما أيضًا معتمة، وطاقة غير مفيدة أنتروبي.

وفقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فان اتجاه انتقال الحرارة يكون دائمًا من الجسم الساخن الى البارد. وأنها لا يمكن أن تنتقل من الجسم البارد الى الحار. وإن الإنتروبي لأي نظام فيزيائي مغلق وغير متزن حراريًا، سوف يتجه دائمًا نحو الإزدياد مع مرور الوقت، حتى يصل هذا النظام الى حالة الإتزان الحراري، حين تصبح الإختلافات بين الطاقات الحرة لأجزاءه معدومة أو تقترب من المعدومة. أي أن الطاقة الحرة المفيدة للقيام بعمل ما ستظل تقل باستمرار في أي نظام مغلق، بينما ترتفع الطاقة الغير مفيدة (إنتروبي) حتى تتلاشى الطاقة المفيدة تمامًا ويصبح النظام مستقرًا أو ساكنًا. ولا يمكن مطلقًا عكس هذا الإتجاه (وهذا يمنع عكس إتجاه الزمن). وعليه يكون الإنتروبي يمثل قياسًا لمقدار الطاقة التي لا يمكن استخدامها، في نظام فيزيائي مغلق، أي أنها تمثل قياسًا لمدى العشوائية ومقياسا لمقدار الطاقة الحرارية التي لا يمكن تحويلها الى عمل.

لا يخفى على العلماء الراسخين في العلم أهمية القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يعتبر واحدا من أهم ما توصل إليه العلم الحديث.

بدأ الكون معظمه طاقة حرة مفيدة، وسينتهى معظمه طاقة عشوائية لا يمكن إستخدامها، وما بين البدء والنهاية، تتناقص الطاقة المفيدة باستمرار، ولا يمكن عكس هذه العملية.

ذكرنا أن لفظ الأرض إذا ورد في بدء خلق الكون، فأنه يدل على الطاقة آنذاك، وهي الطاقة المفيدة الحرة، والمقدر لها أن تتناقص دومًا الى أن يؤول الكون الى نهايته.

ألا تتضح دلالات الآيتين، ثم أنظر الى قوله تعالى : ”وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ” أي لا راد لحكمه، يقول القرطبي : أَيْ لَيْسَ يَتَعَقَّب حُكْمه أَحَد بِنَقْصٍ وَلَا تَغْيِير.


{ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا } 20/107

 العوج هو الميل والأمت هو الإنثناء. والآية تصف نهاية الكون، والأرض بمعنى الطاقة ونمثلها هنا بموجات الطاقة، فانها تفقد تحدبها وتصبح خطًا مستقيمًا، أي يصبح معدل ترددها صفرًا.

إن شرط وجود النجوم والمجرات والكواكب والأرض والحياة هو عوج بسيط جدًا في سطح الكون، أو إختلافًا بسيطًا في درجة حرارة أجزاءه أو اختلافًا يسيرًا في توزيع الطاقة فيه، يهيأ الفرصة لتكاثف بعض الغاز مع بعضه لتظهر جاذبية محلية ينتج عنها تكون النجوم، فاذا انتظم توزيع الطاقة بكل صورها وتساوى في كل نقاط الكون، يتوقف كل شيء، فلا تبادل حراري ولا جاذبية ولا تمدد. فيكون قوله سبحانه وتعالى (لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا) اشارة علمية الى إنتهاء الحياة والطاقة في الكون، أو إنتظام توزيعها دون أي إختلافات.


{ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } ق 38

الستة أيام كانت في بدء الخلق، وذكر في عدة آيات أن الله كما بدء الخلق يعيده، وفي يوم القيامة عندما يعيد الله تعالى الخلق، فإن اليوم يكون مقداره 50,000 سنة، { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } 70/4  وتشير هذه الآية إلى يوم القيامة وهو إعادة الخلق المماثل للخلق الأول، أي أن الفترة الكلية للستة أيام الأولى من خلق السماوات والأرض، تعادل 300,000 سنة، وهي الفترة الزمنية الأولى التي يعتقد العلماء المعاصرون أنها ما إستغرقها الكون في تكوينه الأوّلي والتي عندها أنفصل الإشعاع عن المادة وأصبح الكون مرئي a، وأهمية هذه اللحظة، أنه عندها بدأ تكون أنوية ذرات العناصر الخفيفة وثباتها، والتي منها تكونت النجوم ثم الكواكب والحياة.  ولا يجب في زماننا هذا إعتبار أن الأيام الستة تعبر عن ستة فترات متساوية، وانما هي ستة أوقات (ثلاثة مراحل) غير متساوية، مجموعها هو الذي يساوي ما بين الثلاثمائة الى الأربعمائة ألف سنة.


{الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}   الأنبياء

إن هذا التمثيل الرائع يبين أن الكون يطوى مرة أخرى، وهذا أقرب تشبيه ممكن لوصف الكون المغلق أي الذي يتمدد حتى يتوازن عندما توقف الجاذبية التمدد ثم تعيده في حالة إنكماش كما تنطوي الصحيفة وينطوي غلاف الكتاب فيعود كما بدأ منغلقًا على الصفحات، وكان العرب في القرن السابع لا يعرفون سوف الصحف التي تطوى في شكل إسطواني بعد الإنتهاء من مطالعتها، والتمثيل العلمي لهذه العمليه هي ان الكون مثل سطح البالون يتمدد عندما ينتفخ ثم ينكمش عندما يسمح للهواء بالخروج منه بانتظام . وقد يكون إسطواني مفتوح مثل سرج الحصان ولكن هذا يتمدد الى الأبد حتى تصل حرارته الى نقطة الصفر أي تنتهى طاقته. إلا أن التشبيه بلفظ مطويات بيمينه يشير الى الأنغلاق والكروية أكثر من غيرهم من الأشكال.

          وحتى يومنا هذا لا يعرف العلماء أي كون كوننا، منغلق أو مفتوح، وكلاهما ينتهي بهلاك الكون وموته بعد عشرات أو مئات البلايين من السنين، إلا أن الفهم المرحلي القرآني، يشير الى الكون المنغلق، والأدلة القليلة التي تتجمع لدى العلماء في السنوات القليلة الماضية، تشير الى أن الكون حتى يكون مغلقًا يجب أن تكون مادته أكثر بكثير مما نرى، أي أن ما لا نراه من مادة الكون أكثر من تسعة أعشاره، وأطلقوا أسم المادة المعتمة على هذا الكم من الكون الغير مرئي، وهو مادة لأنه يجب أن يكون له جاذبية تضاف الى جاذبية الكون المرئي فتتمكن من إيقاف تمدد الكون ثم جذبه لينقلب التمدد الى إنكماش.

          ولاحظ في الآية أن عملية الطوي ذاتها لم تشمل السماوات السبع، والتي أبعادها لم تتمدد من الأصل أكثر من ثابت بلانك، والذي يشمله فعل الطوي هو السماء الدنيا في قوله تعالى {نطوي السماء كطي السجل للكتب} ، وهي فقط التي تمددت، بينما ذكرت كل السماوات في وصف الحالة التي ستكون عليها يوم القيامة بأنها مطويات بيمينه، وهذا بعد أن تنطوي السماء الدنيا وتجمع مع بقية السماوات الست التي لم تتمدد من الأصل ولهذا لم يشملها الطوي الأخير.

         

{ والسماء ذات الـحُبُكِ } 51/7

الحبك : يقول صاحب مقاييس اللغة أن حبك هو إحكام الشئ في امتداد واطراد. والسماء الدنيا فقط هي التي تتمدد وتتسع.

 

{ ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا الى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر إني لكم منه نذير مبين }الذاريات 49 – 51

{ لينذر يوم التلاقِ } 40/15

{.. ليس كمثله شيء ..}الشورى 11

 الله تعالى وحده الواحد الأحد، وكل شئ في الكون يوجد في صورة زوجين، وكل شيء يشمل الحي وغير الحي كالحجر، والزوجين هنا هما  المادة وضد المادة، وهذان أحدهما موجب الشحنة والآخر سالب الشحنة، ، وعليه لو ألتقيا يفنيان، وقد حدث فصل بينهما في بدء التكوين. لاحظ قوله سبحانه وتعالى: ففروا الى الله، بعد تذكير الناس أنهم خلقوا من زوجين مما يستدعي خوفهم، ولاحظ قوله تعالى: لينذر يوم التلاقِ.

أما حدوث الخلق من العدم لجسيم موجب وجسيم سالب ثم إلتقاءهما وفناءهما خلال جزء صغير من الثانية، فهذا يحدث في فضاء كوننا كل الوقت.

 

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ..}

{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا…}

العمد هي جمع عمود وهو ما يستند ويرفع عليه السقف، والسماوات بما فيها من مجرات وما في المجرات من نجوم وكواكب وأقمارا وغيرهم من ما نعلمه ومن ما لا نعلمه، مستقرة بتعادل قوة الجاذبية مع قوة الطرد، وهما أعمدة هذا الكون التي تحفظ استقراره وتوازنه بالرغم من توسعه المستمر المنتظم، ونحن لا نرى هذه القوى العاملة في الكون وانما نعرف وجودها من آثارها. 

 

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}   (الطلاق 12)

 سبق أن ذكرنا أن تعبير السبع سماوات يدل على أبعاد الكون فتكون سبعة أرتفاعات، تمدد منها واحد فقط هو السماء الدنيا، بينما بقيت الستة إرتفاعات الأخرى بمسافة ”ثابت بلانك”. ولكن كل نقطة في هذا الكون ذو التسعة أبعاد مكانية، وبعد واحد زمني، لها كل هذه الأبعاد، وكل نقطة على الأرض الكوكب المادة، لها مثل هذه الأبعاد، وهذا قد يفسر قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن).


{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاك مَا الطَّارِق * النَّجْم الثَّاقِب * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}الطارق.

الطارق الذي بينه الله تعالى أنه النجم الثاقب، أقسم به وقال لنبيه ما أدراك به، أي هو نجم لا تدري عنه، ثم تبع الآيات أن كل نفس لعليها حافظ، أو إلا عليها حافظ.

ولو أخذنا لفظ ثاقب بمعناه المؤدي الى الخرق، والطارق بمعناه المؤدي الى دق وطرق الأشياء فوق بعضها البعض بقوة، يكون لدينا نجم مضغوط ذو جاذبية هائلة، إذا وقع شيء عليه فكأنه ضربه  بمطرقة وصكه وأطبقه بعضه فوق بعضه، نجد لدينا وصف النجم الذي يسميه علماء العصر الحديث، الثقب الأسود،  Black Hole . وأطلقوا عليه أسود لأنه لا يُرى أبدًا لأن الضوء الذي يسقط عليه لا يستطيع أن يهرب من شدة جاذبيته، أما لماذا أطلقوا عليه أنه ثقب، ففي أول الأمر، لأن ما يسقط عليه لا يعود أبدُا فشبهوه بالثقب الذي أن سقطت الأشياء فيه تعتبر في حكم المفقودة، ثم وجدوا أنه من شدة إنضغاطه وعظم كتلته وكثافته، فأنه يقعر النسيج الكوني حتى يثقبه. وهذا النجم كان ضخمًا منيرًا حتى استهلك كل الغاز فيه فانهار على نفسه مكونًا كتلة مضغوطة ذات كثافة هائلة.

الآية الكريمة أطلقت على نجم لا يدري الناس شيء عنه في ذلك العصر ولا يستطيع أحد أن يراه حتى اليوم، أنه الطارق الثاقب، الطارق تدل على الضغط والكثافة الهائلة التى هو عليها، ولأن له تأثير المطرقة على كل ما يسقط عليه فينضغط كإنما دق وطرق، والثاقب لأنه يثقب النسيج الكوني ولأن ما يسقط عليه يُفقد.

وقد أطلق عليه العلماء أيضًا أنه مقبرة لكل ما يقترب منه، أي أنه خطرًا محدق، والآية التي تبعت الآيات التي ذكر فيها النجم الثاقب، بينت أن كل نفس لعليها حافظ.

إن في هذه الآيات إشارة الى نوع من النجوم، لم يعرفه البشر إلا في القرن العشرين، وهو من أهم إكتشافاتهم، إذ توقعوا وجوده ثم عرفوه بتأثيره وليس بذاته، وعندما عرفه علماء الغرب الذين لم يقرأوا هذه الآيات، أطلقوا عليه أسم الثقب الأسود. ليس لأنه ثقب وإنما لأنه ثاقب.

 

{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56

من معاني لفظ العبادة الطاعة، والمشيئة الإلهية نافذة مقضية، فإذا خلق الله الجن والإنس ليعبدون، بمعنى العبادات والإيمان والتسليم، فهذا ما يجب أن نجدهما عليه في كل الأوقات، ولكن منهم العاصي والجاحد والكافر والملحد، أما لو أخذنا بمعنى العبادة على أنها الطاعة، فسنجد أنهما يطيعان ويخضعان للقوى التي وضعها الله في الكون، كالجاذبية في حالة الإنسان، والتي لا نملك كلنا إلا أن نطيعها ونرضخ لها، حتى عندما نتمكن من السفر في السماء الدنيا، فأننا لا نتحرك إلا وفق قوانينها. وقد نجد مثل هذا في تعبير (وشددنا أسرهم) أي في هذا الكون المغلق عليهم.

 

{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ….} الأعراف

يقول القرطبي في معرض تفسيره للآية: ” ” قَبِيله ” جُنُوده . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . اِبْن زَيْد : ” قَبِيله ” نَسْله . وَقِيلَ : جِيله .  قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ ; لِقَوْلِهِ ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” قِيلَ : جَائِز أَنْ يُرَوْا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامهمْ حَتَّى تُرَى . قَالَ النَّحَّاس : ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْت نَبِيّ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا فِي وَقْت الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ بَنِي آدَم لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِين الْيَوْم .“ وجاء عنه أيضًا: ” وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ” الْبَقَرَة “ وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ.“

الشيطان وقبيله من الجن يستطيعون أن يرونا بينما لا نستطيع أن نراهم، والأغلب وفق دلالة المعنى أننا لا نراهم لأن المكان الذي هم فيه لا يمكن لنا رؤيته ورؤية من فيه، وهذا بدلالة ”من حيث“ والتي تدل على مكان. ولا تبين الأية أننا لا نراهم لأنهم في صور غير مرئية، كما ورد مثله في قول النحاس المذكور أعلاه: ” لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ.“ لأن السبب الذي تبينه الآية أن المكان الذي يعيشون فيه، يستطيع أهله رؤيتنا بينما لا نستطيع رؤيتهم. ووفقًا للإستدلال العلمي، يمكن أن يكون هذا المكان هو الذي يقع في بعد أعلى من الأبعاد التي نحيا فيها، أي في أحد السماوات الست غير سماءنا.

ولنبين المعنى الذي نقصده، نورد المثال التخيلي التالي: نحن نحيا في كون ثلاثي الأبعاد المكانيةb، لو تخيلنا كائنًا يحيا في عالم له بعدين مكانيين فقط، أي يحيا في كون مسطح مستوي، ليس فيه أي إرتفاعات، فقط طول وعرض. وستكون قياسات هذا الكائن طول وعرض فقط، أي مبطط، ولن يستطيع أن يرى البعد الثالث، أي الإرتفاع، ولأنه لا يراه، يعتقد أنه لا وجود له.

إلا أن هذا العالم الثنائي الأبعاد موجود ضمن عالم ثلاثي الأبعاد، يحيا فيه كائنات مثلنا، ولا يرانا هذا الكائن إلا عندما تتقاطع أجسامنا مع المستوى الأفقي الذي يعيش فيه، فلا يرى سوى المقطع، والذي لن يستطيع أن يكون منه صورة معقولة لأي منا. بينما يمكن لنا أن نراه ونرى كل شيء في عالمه.

هذا لو كان الفرق بين العالمين بعدًا إضافيًا واحدًا، وكلما زاد الفرق، كلما تلاشى المشاهد .

وما سبق ينطبق على سكان العالم ذو الثلاثة أبعاد إذا كانوا ضمن عالما ذو أربعة أبعاد، فنحن لن نستطيع رؤية البعد المكاني الرابع. وهكذا ينطبق على البعدين الخامس والسادس.

وعليه فلو كان الجن يعيشون في أحد السماوات الست الأخرى، والتي لها أبعاد أعلى من أبعاد عالمنا الثلاث، فسيستطيعون رؤيتنا بينما لا نستطيع نحن رؤيتهم.

والآيات الأخرى التي تناولت الجن مثل الجن الذين عملوا لسليمان وذاك الذي عرض أن يأتي بعرش ملكة سبأ، تدخل في باب المعجزات، وعلميًا يصح أن يقوم كائن من بعد مكاني أعلى بأعمال في بعد مكاني أدنى، إذ أنه موجود فعلاً وليس خيالا. أما قوله تعالى في سورة الجن (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) فالسماء التي حاولوا الإستماع خلالها هي سماءهم، أحدى السماوات الست الأخرى وليست السماء التي نعرفها. وعلميًا فان أي كائنات تسكن أحد السماوات أو الأبعاد الأعلى، تلمس وتحس وتستشعر كل ما في السماوات الأدنى منها، بما فيها السماء الدنيا، أي عالم الثلاثة أبعاد، بما فيها من كواكب ونجوم وشهب. بينما لا تستطيع الكائنات التي في الأبعاد الأدني أن ترى أو تستشعر سوى إسقاطات أو مقاطع هذه العوالم الأعلى.

 

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بسلطان} الرحمن 33

 المنع هنا من النفاذ من السماء الدنيا الى السماء الأعلى منها، والأعلى بعد ذلك، وعليه فان السفر في فضاء سماءنا، ممكنًا وليس ممتنعًا علينا، وهذا يغطى كل كوننا المقصود به كون الثلاثة أبعاد. وفي حالة الجن المنع من النفاذ الى السماء الأعلى من سماءهم مباشرة، ومن ما بعدها، وسماءهم أعلى من سماءنا ولا ندري أي سماء هي.

لقد ذكرت في الباب الأول عدم الخوض في موضوع الغيبيات والجن منها، إلا أن هذه الآيات تعلقت بمكانهم وهذا فقط يتعلق بالكون المشاهد والذي يعتقد بعض العلماء في هذه المرحلة من تطور المعرفة أنه متعدد الأبعاد، ولهذا يمكن أن يشمله التفسير المرحلي الذي قد يتطور مع تقدم معارفنا.

 

 

تم هذا الباب بحمد الله  في يناير 1999  

وقد تم إضافات وتعديلات عليه بعد ذلك وحتى نهاية 2006

<< previous page next page >>
  1. وكما بينا في الفصل السابق: ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا  (back)
  2. ما تعلمناه هو الأحداثيات: طول وعرض وارتفاع، أي: س، ص ، ع  (back)