الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان

 

والآن، علينا أن نستعرض النصوص القرآنية لإستنباط المدلولات المتعلقة بهذا الموضوع:

{ .. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ..} النجم 32

نجد في هذه الآية ذكر مرحلتين من مراحل الخلق الإنساني، المرحلة الأولى هي الإنشاء من الأرض، والثانية تكَّون الأجنة في بطون الأمهات، والتفريق بين الحالتين أو المرحلتين واضحٌ هنا. والآيات القرآنية الأخرى المتعلقة بخلق الإنسان، تتعلق كل منها بواحدة من هاتين المرحلتين، ولهذا سيتوجب علينا الحرص عند دراسة الآيات التي ذكر فيها الخلق؛ لتحديد تعلق كل منها بأي من هاتين المرحلتين، خاصة وكما ذكرنا أن مراحل النمو في الرحم، تشبه الى حد ما مراحل تطور الحياة حتى تصل الى الإنسان، ومما قد يزيد في صعوبة هذا الأمر، أننا افترضنا ان النص المقصود منه الإشارة الى المرحلة الأولى، سُرد بحيث يسمح بمساحة تفسيرية يمكن له فيها أن يؤدي معناه إما الى مفهوم المرحلة الثانية، أو الى مفهوم خلق آدم من الطين مباشرة، ليسمح بإمكان تفسيره في عصورٍ لم يعلم الناس فيها بحدوث المرحلة الأولى، والتي تختص بالتفاصيل العلمية لنشوء الحياة بأنواعها الكثيرة ومنها النوع الإنساني على الأرض. وهذا ما كان عليه الأمر في العصور السابقة، إذ تم التفسير على أساس دلالة بعض الآيات على خلق آدم، ودلالة الأخرى على تطور الجنين في الرحم، فإن عرف الناس علوم النشوء والتطور في عصور لاحقة، يمكن للنص أن يؤدي آنذاك الى معناه المقصود.

ووفق تفسيرات السلف، قيل في تفسير المرحلة الأولى: إذ أنشأكم من الأرض، قيل أي خلق آدم وقال آخرون هو التربة التي ارتفعت وسمت ليكون منها آدم ويكون منه ومن زوجه الناس من بعدهما، أما المرحلة الثانية وهي تكون الأجنة في بطون الأمهات، فتعود الى تكوَّن كل انسان في رحم أمه من بعد آدم.

نقف هنا عند المعنى اللغوي للفظ نشأ، جاء عن صاحب لسان العرب: وأنشأ الله الخلق أي ابتدأ خلقهم، ونشأ ربا وشب، وقيل الناشئ فويق المحتلم وقيل هو الحدث الذي جاوز حد الصغر، أنشأ دارًا: بدء بناءها. وقوله تعالى هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، أي ابتدعها وبدء خلقها وكل من ابتدأ شيئا فهو أنشأه.والنشء أحداث وصغار الناس، ونشأ السحاب أرتفع وبدا وذلك في أول ما يبدأ. وقال صاحب مقاييس اللغة: نشأ أصل يدل على ارتفاع في الشيء وسمو، ومن الباب النشء : أحداث الناس.

وعليه؛ فالإنشاء هو ابتداء الخلق ورفع الشيء وظهوره في أول ما يبدأ، ولو راجعنا بعض استخدامات القرآن للفظ ” أنشأ“ سنجد أن اللفظ يعبر عن إحداث أو إيجاد شيء في امتداد زمني، فاللفظ يعبر عن بدأ واستمرار لخلق معين كالإنسان والشجر والجنات والسحاب، أو لبناء معين كالدار والسفينة، أي أنه يعبر عن مرحلة لها بدء واستمرار ثم انتهاء، ولها نمو في ارتفاع، حتى تصل الى الحد المعين لها، فالصغار نشء لأنهم ينمون حتى يبلغون أشدهم، والدار تنشأ لأنها ترتفع رويدُا حتى تصل الى منتهاها، والشجرة تنمو وترتفع حتى تصل مداها، ونشأت في قوم فلان، أي شببت فيهم، فان طبقنا هذا المعنى على خلق الإنسان من الطين، فيكون {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين}  السجدة/7  { ….. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم …} النجم 32   نجد أن بدأ الخلق كان من طين كما توضح الآية 7 من سورة السجدة، وان طبيعة هذا الخلق كان إنشاءً، بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا.

فاذا افترضنا كما قال المفسرون أن الآية تتعلق بخلق آدم، فهذا سيعنى أن خلق آدم كان له بدء ونمو وارتفاع وظهور، فهل هذا يدلنا أن آدم نما وكبر حتى وصل الى مرحلة النضوج، أي نشأ، ليس في قصة آدم الشائعة أنه كان صغيرًا وكبر، ولكن ليس هناك في الآيات القرآنية ما يدعم اعتقادنا بفرضية أن آدم خلق في مرحلة الشباب أو الرجولة، دون ان ينمو من طفل الى نشء الى شاب الى رجل اصطفاه الله.

المخاطب في الآية المذكورة هم الناس جميعًا، {إذ أنشأكم} يتبعها {إذ أنتم}، والأوَلى أن يعود الإنشاء إلى نوع هؤلاء الناس، فلو اعتبرنا أن الآيات تتعلق بالجنس الإنساني الذي أنشأ من الأرض وبدأ خلقه من الطين، وتطور حتى وصل الى الإنسان، يكون التعبير أنشأكم من الأرض واضحًا وبينًا، إذ يكون النوع قد بدأ خلقه من طين، ونشأ وارتقا حتى وصل الى ما اكتمل به من بنية وانتصاب وعقل وقدرة على البيان.

*******

{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}العنكبوت

والسؤال هنا كيف نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق؟  وأصل نظر عند ابن فارس هو تأمل الشيء ومعاينته، الأمر هنا له وجهان.

الوجه الأول أن نشاهد الأرض الجرداء الميتة حتى يهطل المطر عليها فينبت منها العشب والنبات الحي. في قوله تعالى {ويحيي الأرض بعد موتها} وقوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون…} وقوله تعالى {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ….} وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ولكن هل تكمن  الإجابة عن سؤالنا في هذه الآيات؟ ما نراه في هذه الظواهر يقع في باب كيف يحيي الله الخلق بعد موتهم، وليس كيف بدأ الخلق، فالصحراء الجرداء الميتة يكمن بين ترابها ورمالها بذور النباتات التي ما أن يتوفر لها الماء حتى تنمو نباتا جديدا، وهذا لا يدل على بدأ الحياة من العدم أو من الجماد اللامخلوق اللامسبوق، وانما يدل على استمرار للحياة المخلوقة متى توفرت لها ظروفها ومقوماتها. كان هذا التفسير يكفي السلف في التفسير المرحلي السابق وهذا ما ركنوا اليه.

والوجه الثاني هو في السير في الأرض والبحث فيها ومعاينتها لمعرفة كيف بدأ الخلق، والأمر يدل على قدرة المأمور على التوصل الى هذه المعرفة إذا اتبع المنهج الموضوع لبحثه هذا، والذي حددته الآية بالسير في الأرض والنظر. ولو فرضنا أن بدأ الخلق المقصود به آدم أو أي بدءا آخر للخلق، هو خلقًا إعجازيًا لا يتبع القوانين والثوابت الطبيعية، فلن نتمكن من الوصول إلى معرفته أبدًا، لأن المعجزة حالة واحدة لا تتكرر، ولأصبح بحثنا عن هذه المعرفة مضيعة للوقت، أما لو كان بدء الخلق معقولاً فسوف نتمكن من التوصل الى معرفة كيفية بدءه، وحيث أن الخالق يأمرنا بالبحث، فهذا بالضرورة يعلمنا بقدرتنا عليه، وهذا يدلنا أن بدء الخلق لا بد أن يكون معقولاً a.

وقد يقول قائل أن الموجود دليلاً على بدء الخلق، ونقول إن كان كذلك فما الداعي للسير في الأرض. بل أن هذه الآية قد تدل الى أن ما استنبطناه مما وجدناه في الحفريات بدءًا من العظام والجماجم الى مختلف نماذج الحياة البسيطة الأولى هو الطريق السليم لمعرفة كيف بدأ الخلق، بل وربما كانت النظريات العلمية التطورية التي استنبُطت من معاينتنا لطبقات الأرض ولبقايا أنواع الحياة التي اندفنت فيها، ومن دراسة أنواع المخلوقات المعاصرة وخصائصها ومقارنة سلاسلها الإهليجية، ومن تكيف البكتيريا وتغيرها، ما هي إلا نتيجة إتباع هذا الأمر الإلهي، الذي يدعونا الى المنهج العلمي في التأمل والبحث والمعاينة.

ولو قال قائل أن الآيات تشبه بدء الخلق بالبعث، أي كيف يحي الله تعالى الأرض الهامدة، وأن بدء الخلق كان كذلك، أي اذا توفر الماء دبت الحياة في الجماد، أو تظهر الحياة من الجماد، فان هذا أيضًا يتفق مع العلم في أن الحياة ظهرت على الأرض أول مرة متى توفرت لها ظروفها وأهمها الماء والمواد العضوية والطاقة b ، ولفظ خلق يعني عند العرب تقدير أو ابتداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وهذه تتكرر،والأرجح أن الخلق فيها كان أول مرة.

******

أما في قوله تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الأنعام133، فمن الجدير بالإهتمام، عرض تفسير الطبري لهذه الآية إذ جاء في تفسيره:

”” وأما قوله: {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} فإنه يقول: إن يشأ ربك يا محمد الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه {يذهبكم} يقول: يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم . ومعنى ”من“ في هذا الموضع: التعقيب، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوبا، بمعنى: مكان الدينار ثوبا، لا أن الثوب من الدينار بعض، كذلك الذين خوطبوا بقوله: {كما أنشأكم} لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . والذرية من قول القائل: ذرأ الله الخلق، بمعنى خلقهم فهو يذروهم، ثم ترك الهمزة فقيل: ذرا الله، ثم أخرج الفعيلة بغير همز على مثال العلية . وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ: ”من ذريئة قوم آخرين“ على مثال فعيلة . وعن آخر أنه كان يقرأ: ”ومن ذرية “ على مثال عليه . والقراءة التي عليها القراء في الأمصار: {ذرية} بضم الذال وتشديد الياء على مثال علية . وقد بينا اشتقاق ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا . وأصل الإنشاء: الإحداث، يقال: قد أنشأ فلان يحدث القوم، بمعنى: ابتدأ وأخذ فيه.““ أنتهى.

نلاحظ أن الطبري عمم القول القرآني على كل الناس، واعتبر أن المخاطب هو النوع الإنساني أو ولد آدم، وبين أن هذا النوع حل محل ذرية قوم آخرين، وجهد لبيان أن ولد آدم ليسوا من ذرية القوم الآخرين وأنما حلوا محلهم، ولم يحذو القرطبي وابن كثير حذو الطبري، إذ قال ابن كثير: ””كما قال تعالى {إن الله بالناس لرءوف رحيم} {إن يشأ يذهبكم} أي إذا خالفتم أمره {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} أي قوم آخرين أي يعملون بطاعته {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} وقال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}. وقال تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الذرية الأصل والذرية النسل.““ أنتهى.

ولو عدنا الى الآية:

{وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الأنعام 133

{ويستخلف من بعدكم ما يشاء} نلاحظ ”ما“ يشاء، وليس من يشاء، و”ما“ تدل على أن من يخلفونكم قد لا يكونون بالضرورة من جنسكم أو من نوعكم، بل قد يكونوا أي خلق آخر يشاءه الله تعالى، وفي قوله تعالى: { ويسجد له ما في السماوات وما في الأرض} يشير الى كل مخلوقات الله تعالى. أما قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري وفسرها كما سبق، بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لجملة {أنشأكم من ذرية قوم آخرين}، ولم يشرحها، فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا قوما آخرون، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

          يقول لنا علم تطور الحياة ان النوع الإنساني تطور بعد ظهوره منذ سبعة مليون سنة الى أن بلغ إكتمال شكله العضوي العام، ثم تفرع نوعًا منه أو تطور هذا النوع من الأصل مزامنًا للأول، الى نوع أرقى تميز بالقدرة على التفكير والنطق وبالتالي حفظ ونقل المعلومات، لكن هل معنى هذا أن الأنسان نوع بينما البشر نوعًا آخر c .

يمكن ان يكون البشر نوعًا جديدًا أكثر تطورًا حل محل مثيله المخلوق سابقًا أو مزامنًا له، فهذا مثل ما توصلت اليه العلوم الحديثة. وبدراسة ال دي إن أيه  DNA  لعينات من كل أجناس البشر الموجودين على الكرة الأرضية اليوم، وجد أنهم قد يعودون الى مجموعة صغيرة قد لا تتجاوز البضعة آلاف شخص، كانوا يعيشون في افريقيا منذ مائتي ألف سنة تقريبًا، وهؤلاء ما يعبر عنهم العلم الحديث أنهم تناسلوا من سلالة امرأة أفريقية أعطاها العلماء الأسم الرمزي حواء. وتدل الحفريات التي تم العثور عليها والتي تعود ربما الى مائة ألف سنة، أنه كان يوجد أيضًا الى جانب هذا النوع المشابه لنا فيما يختص بالشكل التركيبي العام، مخلوق إنساني آخر، وان كان يشبهنا إلا انه لم يكن في مستوى ذكاء الآخر، الذي نحن من سلالته، ويختلف عنه وعنا في شكل الجمجمة، ونجد هذا الإنسان سابقًا للآخر، إذ نجده في حفريات أقدم لمئات الآلاف من السنوات. وقد اندثر هذا النوع منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، ولم يعد موجودًا. ولا نعرف حتى الآن هل نحن من سلالة متطورة عن هذا الإنسان المندثر حلت محله أم أن كلانا من سلالة إنسان أقدم تفرعت الى نوعين أو عدة أنواع ( ربما أربعة أنواع)، أندثرت كلها ما عدا نوعنا.

ألا يكون هذا مطابقًا الى حد كبير لمدلول الآيات القرآنية :{…… كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} وألا يكون الطبري قد أصاب في تفسيره، ما عدا أن لفظ ”من“ لا يدل سوى على المعنى المباشر وهو ما حاول جاهدًا نفيه في قوله: ”لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم“ . وألا ترى أن كلا المعنيان صحيحان، هم من أصلابهم وحلوا محلهم.

ما سبق يصح معه أحد المعنيين: الأول أن يكون البشر من سلالة تطورت من سلالات أخرى حتى وصل المخلوق الى ما نحن عليه، أو المعنى الثاني أن آدم خلق مباشرة من الطين مشابهًا ومساويًا للإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية عبر سلالات كثيرة، وان آدم أول البشر حل محل من سبقه في الحالتين. والذي يرجح لنا أن آدم  هو نتاج عملية تطورية، نجده في قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} فان كان بدء خلقنا يتمثل في خلق آدم، فهو قد نشأ من ذرية قوم آخرين. والقوم هنا بمعنى كل من قام، والإنسان هو من خلق في أحسن تقويم، أي أحسن وقوف وإنتصاب. والتغير الذي حدث في جينات النوع الجديد، جعله يختلف عمن جاء منهم، فلم يعد من نوعهم، وأنما هو نوع آخر، وإن كان من ذريتهم. بالطبع حدث هذا عبر آلاف وربما ملايين السنين، ولهذا كان لفظ أنشأكم هو ما وصف هذه العملية والذي سبق أن ذكرنا أن من مدلولاته الإمتداد الزمني، ونحن نتحدث هنا عن النوع؛ وآدم هو من اصطُفي من النوع، وهذا ما تدل عليه الآية المذكورة من سورة الأنعام، ومثلها قوله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}. وقوله تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

******

ولو إستعرضنا آيات قرآنية أخرى لنستدل بها الى حقيقة هذا الأمر :

{ هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا * إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إِنّـا هديناه السبيل إمَّـا شاكرًا وإمَّـا كفُورًا}  الإنسان(76) :1-3

{هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1)}

في الآية الأولى من سورة الإنسان؛ يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه dحينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية، في حين أن آدم وفق القصة الشائعة خلق وتعلم وأكرم في وقت قصير، في ما قد نسميه في نفس المقام والمجلس. نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

قلنا أن آدم عندما خلق كان مكرمًا ومفضلا على كثير من المخلوقات الأخرى، بدليل أمر الله تعالى للملائكة وكان أبليس بينهم بالسجود لآدم، في قوله تعالى { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } وهذا التكريم وما سبق ذكره من التعليم الألهي لآدم يدل على تعظيم وإهتمام بهذا المخلوق لا يتفق مع فرض أن الآية السابقة تعود الى آدم، إلا لو كان الإنسان المقصود في هذه الآية غير آدم أبو البشر. أو لو كان النوع الإنساني بعد آدم عليه السلام قد مر عليه دهرًا لم يك فيه شيئا مذكورا.

والقول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، لأنه لم يكن مفضلا على بقية المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ربما كان مثلها أو أقل منها. لقد أكرم الإنسان عندما أصبح قادرا على التفكير، وهي فترة لاحقة لظهوره في أحسن تقويم، أي منتصبًا واقفًا على قدميه، مما نتج عنه تحرير ذراعيه ويديه لإستخدامهما في عمليات مختلفة، وفي قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } التين : 4-5، أي أنه بالرغم من قيامه ووقوفه، رد أسفل سافلين، ثم أصبح تدريجيًا وخلال دهرًا طويلاً من الزمان، قادرًا على التفكير عندما بدأ مخه يتطور حتى وصل الى الحجم الكافي ليستطيع التفوق على غيره من المخلوقات، وقد استغرق هذا النمو عدة ملايين من السنين على أقل تقدير، وفي قوله تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن، ما يشير الى أن القدرة على البيان، كانت من الصفات الهامة التي ميزت الإنسان عن غيره من المخلوقات، وبهذا يكون القرآن قد أكد على الصفتين الهامتين اللتين تميز بهما الإنسان عن غيره من المخلوقات وهما أحسن تقويم بمعنى قيام ووقوف، والقدرة على البيان، أي الإيضاح بالنطق واللغة.

كنا قد قلنا يصح معنى الآية إذا مر على نوع الإنسان بعد آدم عليه السلام دهرًا لم يكن فيه شيئا مذكورا. ولكن الأمم التي جاءت بعد آدم ينطبق عليها الآيات : { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. الأمة هنا في آيتي سورتا يونس والنحل، من بني آدم وليس ممن سبقهم من نوع الإنسان، وعليه فالآية التي نحن بصددها؛ تعود على نوع الإنسان في فترة سابقة لخلق آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم. وفي قوله تعالى (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) قد يشير الى وجود غيرهم من الناس، حيث أن من تكون للعاقل.

وفي الآية الثانية من سورة الإنسان: {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2)} الإنسان(76)

أتفق أغلب المفسرون أن الأنسان في الآية الأولى من سورة الأنسان هو آدم، أما الأنسان المذكور في الآية الثانية فهو ذرية آدم، وهذا إستدلال ولا يمكن البت بصحته، بل ولماذا يدل اللفظ مرة على آدم، ومرة ثانية وفي نفس السياق على ذريته، والذي دفعهم الى ذلك، أن آدم لم يخلق وفق اعتقادهم من نطفة أمشاج (تعبر عن مني الرجل وماء المرأة).

المشيج : كل لونين اختلطا،وقيل: هو كل شيئين مختلطين، والجمع أمشاج، وقيل المشيج هو ماء الرجل يختلط بماء المرأة. وفي التنزيل العزيز: {نطفةٍ أمشاج} قال الفراء: ”الأمشاج هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة“. ويبدو ان اضافة الدم والعلقة نتج لأن اللفظ القرآني جاء على الجمع، مما يشترط معه الثلاثة فأكثر. أما النطفة فهي القليل من الماء وقد تطلق على الكثير، وهو بالقليل أخص.وبه سمي المنيُّ نطفة لقلته.

وقد ورد لفظ النطفة تعبيرًا  أو كناتج عن المني في قوله تعالى : {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} النجم، وفي قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى  * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة، وهنا تكون النطفة هي ما ينتج عن المني أو ماء الرجل كما سماه الفراء،  ومن المعروف أنه ليس للمرأة ماء له تأثير على الجنين، إذ ليس من المرأة سوى البويضة، أما الدم فلا علاقة له بتكوين الجنين، فتكون النطفة إما البويضة أو الخلية الأولى التي تتكون عند تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، أو ما يسميه العلم الحديث، الفيتا، والأرجح أنها البويضة الملقحة أي الخلية الأولى، والعلقة هي إحد مراحل الحمل. ولهذا فالأصل اللغوي في معنى نطفةٍ أمشاجٍ، هي الماء القليل المحتوي على خليط من المواد أو المركبات الأخرى. ما هي هذه المركبات والمواد، من الممكن ان نفترض أنها عضوية، أو منى الرجل وبويضة المرأة معًا، وهما ان كانا إثنان إلا أنهما يتكونان أيضًا من خليط مركبات عضوية، وهما ما يتكون الجنين من اجتماعهما، وعليه فمعنى نطفة إمشاج يصح كما قال المفسرون، ويصح أيضًا أن يكون ابتداء خلق الحياة – ومنها الإنسان – من ماء وخليط مركبات عضوية أو كربونية أو من أي مواد أخرى، أي هو الخليط الكيميائي الذي يعتقد العلماء أنه الذي نتج منه أول خلية حية. وقد وردت نطفة في الآيتين السابقتين من سورتي النجم والقيامة بالمعنى الذي يخص الحمل وتطور الجنين في الرحم لأنها حددت بأنها نتجت عن المني، ويمكن أن يكون خلق أو جعل الزوجين الذكر والأنثى، هو جعل أو خلق في الرحم، وهذا يبين مرحلة متأخرة في سلسلة الخلق ومستمرة، فمن المني والبويضة نطفة، وهذه الخلية النطفة من صفاتها أنها تنقسم على نفسها مرات عديدة، ثم تتعلق في جدار الرحم، فتكون علقة، فجنين إما ذكر أو أنثي. وعلى هذا المعنى، يكون معنى الآية 46 من سورة النجم : من نطفة إذا تُمنى البويضة.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11)} فاطر، الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية تتكاثر بالإنقسام، ثم أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

*******

 

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن e ، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. ويصح أيضًا أن يكون اصطفاء آدم على العالمين بمعنى الملائكة والجن، إلا أن الآية جمعت مع آدم غيره ممن فضلوا على العالمين بمعنى الأنس والجن.

 

{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

***

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } النور(45)

نلاحظ هنا الجمع بين كل الدواب في الخلق من ماء، والإنسان مشمول مع من يمشي على رجلين، ولأن من تستخدم للإنسان، واستخدمت هنا لكل الدواب، والجمع هنا يدلنا أن هناك وحدة في الخلق، فاما أن يكون الله تعالى قد خلق كل نوع على حدة من نفس المكونات، أو يكون كل هؤلاء بدء خلقهم من الماء وتنوعوا وفق خطة تتبع نظام معين، الذي يهمنا في هذه الآية الجمع بين الإنسان والحيوانات البرية وكل ما دب على سطح الأرض، في وحدة المكونات. ولاشك ان العلم الحديث قد وجد ان التصميم البيولوجى متقارب الى حد كبير وان اختلفت الأشكال ودرجات التطور. وفي قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماؤا ان الله غفور رحيم } 28 فاطر، الجمع بين الناس والدواب والأنعام، والدواب هو الجنس العام ويشمل الناس والأنعام، وكلهم خلقهم الله تعالى على اختلاف الوانهم . واختلاف الألوان المقصود به سحنة الشيء، يقول صاحب مقاييس اللغة ”لون“ كلمة واحدة وهي سحنة الشيء، من ذلك اللون : لون الشيء، كالحمرة والسواد. وتضيف هذه الآية الثمرات وهي نتاج النباتات وهي أحد فروع شجرة الحياة التي نشأت على الأرض.

***

{ لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، والقوام هو الطول الحسن ونقول طويل القامة، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف في انتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

***

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***

{ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } 7-8-9 السجدة

وقد ورد في تفاسير السلف:

(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) قال ابن كثير: ”يَعْنِي خَلَقَ أَبَا الْبَشَر آدَم مِنْ طِين،“ وقال مثله الطبري والقرطبي.

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) قال أبن كثير: ”أَيْ يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَة تَخْرُج مِنْ بَيْن صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة“. وقال الطبري: ”يَعْنِي ذُرِّيَّته مِنْ سُلَالَة , يَقُول : مِنَ الْمَاء الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ“. وقال القرطبي: ”مِنْ مَاء مَهِين “ ضَعِيف“.

(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)

قال أبن كثير:” ” ثُمَّ سَوَّاهُ“ يَعْنِي آدَم لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ يَعْنِي الْعُقُول.“

 قال الطبري: ” ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه} فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا.“

قال القرطبي: ” رَجَعَ إِلَى آدَم , أَيْ سَوَّى خَلْقه ” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه “ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّته فَقَالَ : ”وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ وَقِيلَ : ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَاء الْمَهِين خَلْقًا مُعْتَدِلًا , وَرَكَّبَ فِيهِ الرُّوح وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسه تَشْرِيفًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْله وَخَلْقه كَمَا أَضَافَ الْعَبْد إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ”عَبْدِي“ . وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأَنَّ الرُّوح فِي جِنْس الرِّيح . وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي ”النِّسَاء“ وَغَيْرهَا .“

أتفق أغلب المفسرون أن {وبدأ خلق الإنسان من طين} تعود الى آدم، وأن {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} لفظ نسله يعود الى ذريته،  وأن {ثم سواه ونفخ فيه من روحه} تعود الى آدم. وأن {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} تعود الى الناس من ذرية آدم.

لو أخذنا بهذه المعاني، وأن ”بدأ خلق الإنسان من طين“ تعود الى آدم،  فالسؤال الذي سيراودنا هو كيف كان هو وذربته يتزاوجون ويتناسلون كجنس مكتمل يعي ويسمع ويرى، ولم يكن آدم قد استوى، ولم يكن قد نفخت فيه الروح بعد، ولم يكن قد منح السمع والبصر والأفئدة.

ولفظ ” بدأ “ في الآية الأولى لا يدل على إكتمال الخلق في مرحلة هذه الآية، وانما يدل أن هناك بداية لفترة زمنية وأن هناك مرحلية في الخلق، حيث أن البدء بالضرورة مرحلة لها صفة الاستمرار ولها ما يتبعها من إنتهاء. أما لفظ ”ثم“ التي نجدها في بدء الآيتين التاليتين، فإنها لا تأتي في كلام العرب إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، فان قلت قمت ثم قعدت، فانت تحدد أن القيام حدث أولاً، والقعود حدث لاحقًا، بينما تسمح الواو بالمعنيين، فإذا قلت قمت وقعدت، فقد نفهم أنك قمت ثم قعدت أو قعدت ثم قمت، ولا فرق أيهما أولاً f .

وهنا نجد أن التناسل من سلالة بمعنى الماء المهين كما ذهب اليه السلف، يسبق التسوية والنفخ والجعل، ولو كان آدم هو المخلوق الذي وجد في ”بدأ خلق الإنسان من طين“، فقد كان له ذرية تتناسل، ثم حدث بعد ذلك التسوية والنفخ.

وهذا يختلف عما ورد في آيات أخرى، تبين أن التسوية النفخ من الروح سبقا سجود الملائكة لآدم، والسجود سبق دخول آدم وزوجه الجنة ثم خروجهما منها، وهذا كله سابق لإنجابه أولاده ومن ثم لوجود ذرية.

وفي قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ص 71-72  وفي قوله تعالى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} الحجر 29. نجد أن تعبير ” ونفخت فيه من روحي“ في خلق آدم، و ”فنفخنا فيها من روحنا g “ في  خلق عيسى.  لم نجده عند أحد غيرهما h  وفق ما ورد في النصوص القرآنية عدا الآية 9 من سورة السجدة، ولهذا يصح الإستدلال أن هذه الآية تعني آدم، والذي أشار إليه القرآن بلفظ بشر أيضًا.

وعليه فالآيات من سورة السجدة تدل على ترتيب تعاقبي زمني لهذه الأحداث، وأن الآية الأولى تشير الى بدء خلق الإنسان، والثانية تدل أنه بعد بدء خلقه كان هذا المخلوق يتناسل وله ذرية، والثالثة أن الله سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة وهذه عطفت بحرف الواو والمخاطب فيها النوع الإنساني عامة، ويصح أن يكون وقت وترتيب حدوثها سابق للتسوية والنفخ، أضف أنها موجهة الى كل الناس لقوله تعالى ” وجعل لكم “ ولهذا فهذه الجملة تخرج عن السياق الإخباري السابق لها حيث أن ذكرها جاء في معرض تذكير الناس بنعم الله عليهم لعلهم يشكرون. وفي قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) المؤمنون (78) نلاحظ أن لفظ أنشأ أخذ مكان لفظ ”جعل“ الذي ورد في أكثر من آية، وقد سبق أن بينا أن الإنشاء له بدء ومدة وانتهاء، أي أن السمع والأبصار والأفئدة (الأفئدة تعبر عن العقول) لم تظهر آنية وإنما كان لها امتداد زمني.

ونلاحظ أيضًا من الآيات أن هذا المخلوق كان حيًا ويتناسل، قبل أن تتم تسويته وقبل أن ينفخ فيه من الروح، أي أن هذا النفخ لم يمنحه الحياة أو يجعل من الجماد شيئًا حيًا، كما كان الإعتقاد عند البعض.

والمعنى المباشر لهذه الآيات من سورة السجدة هو أن الله تعالى بدأ خلق الإنسان من طين، ولم يكن المخلوق الأول قد اكتمل إنسانًا بعد، وإنما قدر له أن يصبح إنسانًا بعد زمن ما، ثم تناسل هذا المخلوق من سلالة من ماء مهين، أي تعاقبت ذريته جيلا بعد جيل، وخلقًا بعد خلق، ثم سواه i الله ونفخ فيه من روحه.

ورد لفظ ”سواه“ ملازما لمعاني بلغ أشده في قوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ءَاتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} القصص (14)، وعدله من اعتدل لقوله تعالى  {الذى خلقك فسواك فعدلك }، ومن معاني سواه أتم وأكمل خلقة هيئته وتركيبه وشكله، أو سواه بشيء آخر، والمعنى الأول قد يكون الأرجح لأن الآيات بدأت بقوله {وبدأ خلق الإنسان من طين} فتكون {ثم سواه} التي تعود الهاء فيها الى الإنسان أي تدل على اكتمال هذا البدء واتمام خلق الهيئة والشكل، وهذا بالطبع يشمل أعضاء السمع والإبصار والعقل. أما قوله تعالى: {..وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} فهذا كما سبق موجها إلينا تذكيرًا لنا بنعم الله علينا، التي تستوجب منا الشكر والحمد.

و ”ثم سواه“ أخذًا بدلائل الآيات الأخرى المتعلقة بخلق آدم، قد تدل أن الله تعالى سواه بشرًا. أي نجد في هذه الآية من سورة السجدة تفصيل {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين} ص، و { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *  فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر، حيث أن هذا الخلق كان كما يلي {وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه… } .

وبهذا نجد أن الآيات من سورة السجدة تتعلق بخلق الأنسان، حتى إذا أكتمل خلقه عبر ذرية، نفخ الله فيه من روحه فكان خلقًا جديدًا هو البشر أي آدم. أي ان آدم لم يخلق مباشرة من الطين، وسبقه مخلوقات تتناسل.

          مما سبق، نجد أن السرد المذكور في الآيات من سورة السجدة، لا ينطبق على قصة آدم الشائعة ، لو أخذنا بفرضية الخلق الفوري لآدم، فآدم -وفق هذا الفرض- خلق ثم تعلم الأسماء كلها وأكرم في نفس المقام (والذي قد نصفه أنه تم في نفس المجلس). ولو فرضنا أن آدم هو أول إنسان كما هو شائع، فسوف نجد أن جملة بدأ خلق الإنسان من طين، وما تبعها من نسل ثم إكتمال الخلق بالتسوية والنفخ والجعل، تدل على المرحلية والإمتداد الزمني، ولا تدل على الخلق الآني.

  تدلنا هذه الآيات من سورة السجدة أن الإنسان قد خلق من طين عبر سلسلة من الكائنات التي توالدت من الكائن الأول، حتى إذا أكتملت صورته، سواه الله ونفخ فيه من روحه، وبهذا نكون قد بلغنا المخلوق الجديد وهو البشر، لأن هذا هو اللفظ الذي ورد في القرآن عن أول مخلوق نفخ الله فيه من روحه، ولم يذكر نفخًا آخر سوى الذي أدى الى خلق سيدنا عيسى عليه السلام.

****

ولو نظرنا الى الآيات { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرُُ منه خلقتنى من نارٍ وخلقته من طين } الأعراف:11-12

أختلف المفسرون المتقدمون في دلالة هذه الآيات، ونورد هنا ما جاء في تفسير الطبري:

” القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {ولقد خلقناكم} في ظهر آدم أيها الناس، {ثم صورناكم} في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا مثلا في صورة آدم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خلقناكم} يعني آدم، {ثم صورناكم} يعني في ظهره. وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {ولقد خلقناكم} ولقد خلقنا آدم، {ثم صورناكم} بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعني في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63]  وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و”ثم “ في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به بـ ”وثم“ على قوله: ”قمت“ إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ”ثم“ في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم:

                              سألت ربيعة من خيرها                     أبا ثم أما فقالت لمه

بمعنى: أبا وأما، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظن ; وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل ”ثم“ في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو ; فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقا، فقول الله تبارك وتعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا} نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. .“ أنتهى

بالرغم إن الأوائل فهموا التصوير على أنه يعود  على الذرية، إذ  جاء في تفسير ابن كثير: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّة وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ آدَم وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر………… وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين} الْآيَة . فَإِنَّ الْمُرَاد مِنْهُ آدَم الْمَخْلُوق مِنْ السُّلَالَة وَذُرِّيَّته مَخْلُوقُونَ مِنْ نُطْفَة وَصَحَّ هَذَا لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان الْجِنْس لَا مُعَيَّنًا وَاَللَّه أَعْلَم.“

إلا أن الطبري فقد خلص بعد تفنيد كافة الأراء الى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم.

لو عدنا إلى معنى خلق عند صاحب مقاييس اللغة: خلَق : أصلان أحدهما تقدير الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، والآخر ملاسة الشيء. وفي لسان العرب يقول ابن منظور: الله عز وجل هو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها وبالأعتبار للإيجاد على وفق التقدير خالقٌ. والخلق في كلام العرب: ابتدع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سُبق إليه.

فإذا نظرنا الى معنى خلق على أنه تقدير الشيء، فهو باعتبار تقدير ما منه وجوده، فان إيجاد أي من الإنسان أو البشر، هو ما منه وجود الناس جميعًا ومتى اكتمل خلق الإنسان فقد وجدت المكونات ووجد النظام الذين يؤديان الى خلق الناس جميعًا في زمان لاحق، وقد يكون تقدير ما منه وجودنا بدأ وحدث عند ظهور أول خلية حية من الطين، بل وربما يعود الى بدء الخلق الكوني حيث أن هذا الخلق هو الذي أدى – كما هو مقررا أو مقدرا له – الى ظهور أول خلية حية على سطح كوكبنا. هذا عن الخلق، أما التصوير فهو بلوغ الإنسان الصورة والشكل والتركيب الذي نحن عليه، ويجدر الإشارة هنا أن التصوير يأتي بعد الخلق وبينهما حرف العطف ”ثم“ والذي يدل على الترتيب والتراخي، أي طول الفترة الزمنية، وصورناكم هي جعلناكم على الصورة التي أنتم عليها، والصورة هي الصفة والهيئة والشكل والتركيب، في قوله تعالى: {في أيّ صورة ما شاء ركبك} وهي مرحلة تلي الخلق، أي أن الكائن الذي نتج عن الخلق لم يكن على الصورة التي إنتهى إليها المخلوق بعد التصوير. وعندما اكتملت صورة المخلوق، ربما على هيئة الإنسان الحديث، اجتبى الله آدم واصطفاه، ونفخ فيه من روحه وكرمه وعلمه البيان. وبهذا نجد تفسير {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}، أي ان سجود الملائكة كان بعد التصوير.

يصح لو أعدنا خلقناكم ثم صورناكم الى آدم، ويصح أيضًا أن يكون المقصود به النوع الإنساني، وهذا ما ذهب اليه ابن كثير في آخر ما أخذنا عنه أعلاه.

من هذه الآيات، يصح التفسير المرحلي السابق –مع صعوبته- أن خلقناكم ثم صورناكم تعودان إلى آدم، وهذا يناسب علوم ومعارف تلك الفترة، ويصح أيضًا التفسير المرحلي اللاحق أنهما يعودان الى خلق النوع أو الجنس الإنساني حتى بلغ اكتمال صورته، ثم اصطفي آدم منه، وكان خلقه مثل خلق عيسى، أي كان مثل النوع ولكنه اختلف عن أفراد النوع الآخرين بتكريم إلهي، كان منه التسوية والنفخ من الروح والتعليم. ونجد أن الأقرب لتركيب الألفاظ في الآية هو المعنى المرحلي اللاحق لأن المخاطب في قوله ”خلقناكم ثم صورناكم“ هم الناس جميعًا فالأغلب أن يقصد النوع، وعليه فالنوع سابق في الترتيب الزمني عن أدم.


تدعونا الآية السابقة الى التساؤل في موضوع الترتيب الزمني للأمر الإلهي للملائكة بالسجود، في قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} نجد أن القول الموجه للملائكة سابق لخلق آدم، وليس بعده، بينما ما ورد في الآيات التي كنا بصددها، أن الأمر بالسجود لاحقا لخلق آدم.

وقد جاء ذكر آدم بما يُستدل من الآيات في القرآن أنه هو البشر الذي أخبر الله الملائكة عن نيته خلقه وأن عليهم أن يسجدوا له، ولا خلاف في هذا لأن الملائكة لم يؤمروا بالسجود لبشر أو لإنسان آخر.

ويجدر الذكر هنا أن أمر الله للملائكة بالسجود قد تكرر في أكثر من آية، وجاء في بعض الآيات بعد الخلق، دون ذكر مشيئة الخلق والتسوية والنفخ، ولأهمية تحديد هذا الأمر، علينا أن نورد بعض هذه الآيات لتحديد هل أمر السجود سابق للخلق أم بعده أم هما أمرا واحدًا تكرر، ولماذا يتكرر الأمر الألهي إن كان كذلك.

قبل أن نخوض في هذا الأمر، يجب التنبيه الى أمر هام، سبق أن تعرضنا إليه بإختصار، وهو أن التخاطب بين الله وملائكته وغيرهم من الجن، هو من الأمور الغيبية التي لا نستطيع عقلها أو إدراك كيفية حدوثها، إذ هل يتخاطب الله معهم بالقول أو عبر وسيلة أخرى لنقل المعلومات، وما مدى إدراكهم لهذه المعلومات وتصورهم لها، سبق أن قلنا أن الموضوعات التي تدخل في باب الأمور الغيبية، لسنا مجهزين لفهمها، ولهذا فالخوض فيها لن يكون سوى مضيعة للوقت وظنًا ولا يغني الظن عن الحق شيئا. ولهذا فعلينا أن نقبل أن أوامر الله للملائكة بالقول هو أقرب تشبيه يفهمه العقل البشري لما حدث حقيقة، ويجب علينا أن نقبل بالمعنى الذي يؤدي اليه هذا التعبير، وأن لا نحاول أن نعيد تصوير مشاهد الأحداث السماوية، وعلينا أن نأخذ هذه المعاني كما وردت، وكما نفهمها، حيث أن هذا هو القصد من سردها.

الأمرين بالسجود نجدهما في الآيات التالية:

الأمر الأول في قوله تعالى:{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته j ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }

الأمر الثاني في قوله تعالى : { واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:30-33

من الواضح أن الأمر الثاني وجه الى الملائكة بعد اكتمال خلق آدم وبعد أن سواه الله ونفخ فيه من روحه، بفترة زمنية على أقل تقدير الفترة التي استغرقت عرضه على الملائكة وتعليمه الأسماء ثم إنباء الملائكة بالأسماء، وهذه وان كان من الممكن أن تكون قصيرة، إلا أنها ليست الفورية التي يتضمنها الأمر الأول، أضف الى هذا أن الأمر الأول كان إخبارًا بمشيئة الله الخلق قبل أو أثناء حدوثه، بينما الأمر الثاني كان بعد حدوث الخلق واكتماله.

في قوله تعالى { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين} الأعراف، فأمر الملائكة بالسجود هنا، يكون هو الأمر الثاني في الترتيب الزمني للأمرين بالسجود، لأنه تبعه سجودهم فورًا، والسياق الكلامي هنا يماثل السياق في سورة البقرة  {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34.

وعليه فيكون الأمر الأول بالسجود والذي سبقه قول الله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } الحجر، فهذا من الأولى أن يكون سابقًا لكل ما جاء في الآية من سورة الأعراف {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}.

 فيكون الترتيب كما يلي:

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} ثم {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}.

 { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإِ  مسنون k * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } l  الحجر : 25-29 .

قال ابن فارس : بشر فى اللغة تدل على ظهور الشىء مع حسن وجمال وسمى البشر بشرًا لظهورهم، ومنه البشرى وذلك يكون بالخير وربما حُمل عليه غيره من الشر وقال وأظن ذلك جنسًا من التبكيت . أما الانسان فهو ظهور الشيء، وكل من خالف طريقة التوحش، والأنسة ضد الوحشة، واستأنس ذهب توحشه.

وقد خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق تعنى أن الله تعالى قدر ما منه وجود الإنسان، أي أن يصبح الصلصال وهو الطين المنتن المتغير في مبلغه وكنهه ونهايته إنسانًا، وكذلك البشر، وفي قوله تعالى فاذا سويته، قد يكون المعنى اذا أبلغته أشده ومنتهاه.

وهنا في آيات سورة الحجر، نجد أن هناك فصلا واضحا بين خلق الإنسان وخلق البشر، لقد اهتم القرآن ببيان حقيقة ان الجان خلق قبل الإنسان، وهذا لأنه قدم موضوع خلق الإنسان عن موضوع خلق الجان في سياق ترتيب الإخبار. وقد أدى تقديم خلق الإنسان على خلق الجان في سياق السرد القرآني، الى الفصل بين آيتي خلق الإنسان وخلق البشر، وهما وأن خلقا من نفس المكونات، أختلفت تسميتهما، فهذا إما أن يكون فصلاً بين خلقين مختلفين وان كانا من نفس المكونات، أو تكرارًا، فان كان تكرارًا فلا بد أن يكون له سببا لإختلاف الأسم، بل وقوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون} لو قصد منه الإنسان المذكور قبل ذلك، لكان القول أسبق في الترتيب الزمني من خلق الإنسان لأن الله تعالى يعلم الملائكة بمشيئته، إلا أن هذا ليس بالضرورة دليلاً، لأننا مع وجود حرف إذ نكون قد خرجنا من حتمية الترتيب الزمني الذي تحدد في ترتيب خلق الجان وخلق الإنسان.

ونحن نأخذ بالإختلاف النوعي الذي قد تدل عليه الآيات من إختلاف الأسماء، إذ نفترض أن البشر اختلف عن الإنسان، ربما في الخلق، وربما في التطور، وربما في أن الله علمه الأسماء. إذ ليس في الآية ما يمنع أن نفترض ان الإنسان خلق من خلال عملية تطورية استغرقت بلايين السنين. وقد نفترض أن يكون البشر هو الإنسان الذي تطور الى حد يتمكن معه من تلقي العلم، أي أنه مرحلة لاحقة من مراحل التطور، وقد أخذنا هذا المعنى من قوله سبحانه وتعالى : { الرحمن * علَّم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان} الرحمن : 1-4 جاء عن ابن كثير: ”يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى ”الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان“ قال الحسن يعني النطق وقال الضحاك وقتادة وغيرهما يعني الخير والشر وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها“.

وقد وجد علماء التطور ان ظهور الإنسان الحديث – وهو الذي نحن من سلالته – تزامن مع تغير في جمجمة الإنسان الأول من جهة تكون عظام الفك والحلق بما أدى الى تيسير النطق وتسهيل خروج الحروف، مع وصول حجم المخ الى الحجم الحالي. أي أن البشر هو الإنسان الحديث.


{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 25-26 .

{وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون} ص 71-73

وهنا يخبر الله تعالى الملائكة ومعهم إبليس أنه خالق بشراً، أسم النوع هنا البشر، وليس الإنسان،  والملائكة من سياق القصة كما سيظهر فيما بعد، لم يعرفوا ما هيئة وصورة البشر حين أخبرهم الله بذلك. كل ما قيل لهم أنه سبحانه خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، وخالق بشرا من طين، ونجد في سورة البقرة ما قد يؤيد فرضنا أنهم لم يعرفوا ما هو البشر، في قوله تعالى:

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون } البقرة:30-33

{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34

هذه الآيات من سورة البقرة تبين الأحداث التي حدثت بين الأمر المذكور في قوله تعالى {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} ص؛ وعند حدوث السجود لآدم في قوله تعالى {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} ص(73) والذي جاء أيضًا في الآيات: 11 من سورة الأعراف، 61 من الإسراء، 50 من الكهف، 116 من طه.

أولاً: من الظاهر من آيات سورة البقرة أن الملائكة لا تعرف الأشياء بأسماءها، يمكن تصور ان الملائكة لا تعرف الأشياء بالأسماء وانما تعرفها بالرؤية وربما بتناقل الأفكار والله أعلم، كيف قال لهم الله تعالى فهذا من الغيبيات التي لا يمكن لعلومنا الخوض فيها، ونكتفى أن الله تعالى أخبرنا أنه أعلمهم بالقول – مجازًا أو قولاً – وهذا أقرب تمثيلا لما حدث نستطيع أن نفهمه ونتصوره– أنه تعالى خالق بشرا.

ثانيًا: لو عرف الملائكة أن هذا الخليفة هو البشر الذي أمروا بالسجود له، فهل كانوا ليتأخرون عن السجود فور ظهوره، وهل كان قولهم فيه ما جاء عنهم من كونه مفسدا في الأرض وسافكا للدماء. وأما كانوا – لو علموا أن هذا هو البشر قد اكتمل خلقه من الطين- ليسجدون له حين مثل أمامهم لينبأهم بالأسماء التي عجزوا عنها، إمتثالاً للأمر الإلهي السابق، وهم يفعلون ما يؤمرون، {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(50) النحل. نستطيع أن نستنتج من تصرفهم هذا أن الملائكة لم يعرفوا آدم ولحكمة إلهية لم يخبرهم الله أنه البشر، فلما أنبأهم آدم بالأسماء وتبين لهم ما خصه الله به من العلم والبيان، أمرهم الله بالسجود له في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34  عندئذ فقط عرفوا أنه البشر الذي أمروا بالسجود له في زمان سابق، حيث أنهم لم يؤمروا بالسجود لغير الله إلا في ذاك الأمر السابق.

ولكن لماذا لم يسجد الملائكة للإنسان الذي خلق قبلاً من نفس المكونات، بل وكل المخلوقات الأرضية خلقت من نفس المكونات، فان لم يعلموا الأسماء فأي منهم قد يكون بشرًا. لم يسجد الملائكة لكل مخلوق خلق من طين، لأن الشرط التالي في أمر السجود الأول كان في قوله تعالى فاذا سويته ونفخت فيه من روحي، وأي من هؤلاء لم ينفخ الله فيهم من روحه، إلا آدم، ولكن النفخ لا بد أن يكون قد حدث قبل المناظرة التي تمت عندما أنبأهم آدم بالأسماء، ولحكمة إلهية لا بد أن يكون النفخ تم دون معرفتهم، لأنهم لو شهدوه لسجدوا في حينه.

ولكن لماذا قال الله للملائكة بمشيئة الخلق والسجود أول مرة مع علمه أنهم لن يعرفوا البشر ليسجدوا له، أما كان يكفي أن يقول لهم بعد خلقه اسجدوا له، كما أمرهم بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، بالرغم ان هذه الأمور تدخل تحت باب الغيبيات التي لا قدرة لنا على فهمها أو تفسيرها، إلا أنه يجدر الأشارة هنا أن الله خلق الحياة الدنيا، وهي المخلوقات التي نشأت من الماء ومن التراب، وكانت أقل درجات كثيرة من الملائكة وربما من الجن، ولهذا أخبرهم الله تعالى أنه خالقًا من هذا الطين بشرا، عليهم أن يسجدوا له، حتى يعلم الملائكة أن هناك من هذه المخلوقات الدنيا من سيكون أفضل منهم، وتوقعوا أن يكون أقرب الى الله منهم، وربما أعادوا ذلك الى أنه سيكون أكثر منهم تسبيحًا وتقديسا لله، فهل كانت الحكمة الإلهية في إبلاغ هذه المخلوقات العليا بأهمية ما يحدث على الأرض بالرغم من ضعف هذه المخلوقات الدنيا، قد يفسر هذا سبب مقارنتهم أنفسهم بهذا الخليفة -وهو من المخلوقات الأرضية الدنيا- في قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} إذ ما هو وجه المقارنة التي جعلوها بينهم وبين هذا الخليفة، هل كان الملائكة يريدون أن يكون الخليفة على الأرض منهم، بالطبع لا، ولكن علمهم السابق بأن من هؤلاء المخلوقات من سيكون بشرا يسجدون له بأمر الله واعتقادهم أو ظنهم أنه سيكون أكثر منهم عبادة وأقرب لله جعلهم يقارنون أنفسهم بهذا المخلوق الذي جعله الله خليفة في الأرض، ربما يكونوا عند اعلان خلافته وتكريمه بها، قد ظنوا أن له علاقة بالبشر الذي عليهم أن يسجدوا له، ولهذا كان جوابهم ما كان، ولكن الظن مع غياب اليقين لم يكن كافيًا ليسجدوا له، ولهذا لم يسجدوا وان تعجبوا. وقد تفوق هذا البشر على الملائكة بقدرته على البيان، ولهذا يكون الأمر الأول بالسجود فقط إعلامًا للملائكة بالخلق المرتقب للبشر، وأنه سيكون متفوقًا أو مفضلا عنهم، لأن عليهم السجود له. أي أن امر السجود الأول كان القصد منه أعلامهم بتفوق البشر، حيث أن عليهم السجود له، وبهذا يكون القول الأول إعلامًا بصيغة الأمر، مع العلم بعدم قدرتهم على معرفة أوان السجود، فجاء القول الثاني أمرًا مجردًا نفذه الملائكة فورًا.

ويجدر أن نضيف هنا أننا إشترطنا أن يكون الأمر الألهي للناس معقولاً، أي يمكن تنفيذه باستخدام العقل البشري والبحث وفق المنهج المحدد في هذا الأمر، كما جاء في تفسير قوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}، فلماذا لا يكون كذلك في أمره للملائكة بالسجود، منح الإنسان الحديث قدرات عقلية لم تمنح الملائكة مثلها، لأنه حمل أمانة أعمار الأرض، والإختيار بين الخير والشر، فالإنسان يملك القدرة على التأمل والتفكر في الخلق والأمور الحسية والغيبية، بينما الملائكة قد لا تملك مثل هذه القدرات العقلية الإستنباطية، ولا يتعدى دورها التسبيح وتنفيذ الأوامر المباشرة، في حدود قدراتها المحددة بما منحها الله، وكمثال على ذلك عجزها عن تنفيذ الأمر الألهي في قوله تعالى {أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}.

وقوله تعالى الموجه الى الملائكة {إن كنتم صادقين}، يستدعي منا وقفة للنظر فيه. الملائكة وفق علمنا لا تكذب، فإما أن يكون قوله تعالى {إن كنتم صادقين} موجها الى إبليس الذي كان معهم، أو أن يكون تفسيره : إن كنتم صادقين أيها الملائكة في ظنكم معرفة حقيقة هذا الخليفة، وصادقين هنا أي صدقتم في قول الحقيقة، ولا يعني الخطأ في قول الحقيقة بالضرورة أن يكون القائل كاذبا، وإنما قد يقول الجاهل في الأمر يظنه حقيقة وهو ليس كذلك، فيكون غير صادق في قوله، ولكنه ليس كاذبًا لأن هذا مبلغ علمه، فالكاذب هو منكر الشيء مع علمه به، وبذلك تعود جملة {إن كنتم صادقين} في قولكم أن الخليفة مفسدا في الأرض، وقد تكون إن كنتم صادقين في ظنكم أنكم أفضل منه، وهذا إجابة عن قولهم: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}. وقد تكون الإجابة البليغة لكلا الأمرين معًا. أما قول الملائكة في معرض إجابتهم {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} فيعود الى الأمر للملائكة {أنبئونى بأسماء هؤلاء}، وهم لم يتعلموا هذه الأسماء، حيث أنهم ليس لهم علم إلا بما علمهم الله. أما أن تعود إجابة الملائكة {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} أيضًا الى مدى صدقهم في كون هذا الخليفة مفسدًا في الأرض، فهذا لا يصح لأن الله تعالى لم يُعلمهم بهذا كما سيأتي شرحه.

نجد مما سبق أن هناك أمرًا بالسجود للبشر سابق لخلق البشر، ثم أعيد هذا الأمر في الوقت الذي حان فيه موعد السجود. وان السجود كان مرة واحدة لآدم البشر الذي جعله الله خليفة في الأرض، وكان هناك مخلوقات في الأرض وكان منها النوع الإنساني الموجود قبل آدم، وأن آدم أكرمه الله بأن علمه البيان، أي جعله مميزًا حتى انفصل ببيانه وتمييزه عن جميع الحيوان، والبيان هو إظهار المقصود بأبلغ لفظ، والإفصاح مع ذكاء، وبان الشيء إذا اتضح وانكشف.

ويجدر بنا الآن أن ننظر في بعض الآيات القرآنية التي تعلقت بموضوع خلق آدم :

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28 . {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } 32-33 الحجر

{ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ص 71-76

ما سبق يدل أن الله خلق آدم – البشر من طين، وهذا أيضًا ما يعبَر به في القرآن عند ذكر خلق الناس عامة، مثل الآية 37 من سورة الكهف {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً } وبالطبع ليس المقصود هنا أن الله تعالى قد خلق هذا الشخص المخاطب من التراب ثم سواه رجلا، وإنما هي طريقة للتعبير بتبعية الرجل للجنس الإنساني الذي كان أول خلقه من تراب. وأيضًا {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ……..} الأنعام 2 . ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الطين ليبلغ في منتهاه بشرا .

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن في آيات خلق آدم،  {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28  هل القول الأول أعقبه الخلق فورًا أو كان بينهما فترة زمنية؛ قد تكون دهرًا طويل الأمد، إذ وإذا حرفا توقيت m، إذ للماضي وإذا للمستقبل، وقد توضع أحدهما موضع الأخرى، والحرف ”ف“ يدل على التعقيب والأرجح التعقيب الفوري، بينما ثم يدل على التعقيب والترتيب والتراخي الزمني كما جاء سابقًا، إذ –وهذا في زمان ماض n –  يقول الله للملائكة إني خالق بشر من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، التعقيب الفوري بالفاء في ”فإذا“ هو تعقيب كلامي، أي أن الجملتين قيلتا في تعاقب فوري وفي الزمان الماضي. بينما ”إذا“ تعبر عن توقيت مستقبلي، قد يكون قريبًا وقد يكون بعيدًا، والفاء في فقعوا له ساجدين هي تعقيب فوري أو قريب، أي ان السجود يكون فور –أو بعد فترة يسيرة من – تسوية هذا البشر والنفخ فيه من الروح، (ويجب ملاحظة أن ما نسميه فترة يسيرة هو أمر نسبي). من هنا نجد أن الخلق كان سابقًا للتسوية، وأن الجملة الخاصة بالتسوية والنفخ مستقبلية تحتمل المستقبل القريب وتحتمل المستقبل البعيد.

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون} البقرة :30

وهنا الحديث كله بإذ للدلالة على الماضي، والقول إني جاعل في الأرض خليفة (هو آدم)، والجعل لا تعني بالضرورة اني خالق في الأرض خليفة، بل تعني أن الله صيَّره خليفة، جعله خليفة بعد ان لم يكن كذلك، كقوله تعالى: {وجعلني نبيًا..}، وفي قوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } تكون جعلنا بمعنى خلقنا، ولكن جاعل هنا ليست لشيء وإنما لمكانة ولمهمة ومسؤولية، وهؤلاء الجعل فيهم يكون مثل قولنا: جعل الناس أبو بكر أميرا عليهم أي صيروه أميرًا عليهم. وبهذا المعنى يكون استعمال إذ في حال الجعل وفي حال السجود أيضًا يبين أن الحادثتين وقعتا في الزمان الماضي. ولا تدل هذه الآيات أن آدم قد خلق من الطين حينذاك.

إن قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} يوحي بعلمهم بأمر واقع أو سبق وقوعه، وقد تحير المفسرون في كيفية معرفة الملائكة أن هذا المخلوق الجديد -أو ذريته- سوف يفسد في الأرض في زمان مستقبلي، إذ لا يعلم الغيب المستقبلي إلا الله سبحانه، وقد نحا بعض المفسرون علم الملائكة بأنهم قد سألوا الله تعالى: ما صفة هذا المخلوق الجديد. فقال لهم أنه -أو نوعه- سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء، فقالوا لله جل جلاله أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. لكن هذا التفسير على ضعفه لا يصح، حيث أن الله قد خلق البشر ليعمروا الأرض ومنهم الصالح ومنهم المفسد؛ ولم يكن الله تعالى ليقول عن البشر جميعًا مثل ذلك، وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه سيكون منهم أنبياء ورسل وأتقياء وأمم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر o .

بل أن قوله تعالى  {إني أعلم ما لا تعلمون} يدل أنه لم يعلمهم بشيء من أمر هذا الخليفة، لأنهم لو كانوا سألوه وأجابهم، لكانت { إني أعلم ما لا تعلمون } تدل أن إجابته سبحانه وتعالى عما يصفون كانت غير كاملة، فهم أي الملائكة ظلوا على حيرتهم وتعجبهم حتى بعد سماع الجواب، أي أن الجواب لم يكن كاملا، وهذا مما يتنزه الله تعالى عنه، وبناء على ما سبق يمكن الجزم أنهم لم يسألوا، وبالتالي نعود الى مسئلة كيف عرف الملائكة أن هذا الخليفة -الذي ما زالت تصرفاته وأعماله في الغيب المستقبلي- سيفسد في الأرض ويسفك الدماء.

ولماذا تقول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ وليس : أتجعل فيها من سيفسد أو سوف يفسد فيها ويسفك الدماء. الزمان في الجملة الأولى زمان حاضر، بينما الفعل المنسوب الى آدم أو الى نسله سيقع في زمان مستقبلي، فلماذا لم يأت قول الملائكة ليدل على المستقبل.

يمكن تفسير ذلك بفرض أن الإنسان كان موجودًا ومفسدًا في الأرض، ولهذا لم يحتاج الملائكة للسؤال وإنما كان قولهم الفوري كما جاء عنهم، وهذا رد طبيعي بناء على علمهم بما هو واقع في ذاك الزمان، ولهذا كان الفعل يفسد مضارع وليس فعل مستقبلي.

وعليه فسياق الحديث الذي تم قد يكون كما يلي: واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً، وكان آدم حاضرًا أمامهم، وقد اصطفاه الله، فعرف الملائكة من هيئته وصورته أنه يشبه الإنسان، وكان الإنسان موجودًا آنذاك على الأرض، كان مفسدًا وكان يسفك الدماء ويقتل من غير جنسه أكثر مما يحتاج لغذائه، ويقتل من جنسه مع سعة الأرض، ولم يكن يعبد الله ولا يسبح له، وبهذا يكون من أسوأ المخلوقات قاطبة، فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وكان قولهم من باب السؤال عن الحكمة الإلهية. قال إنى أعلم ما لا تعلمون. حيث أن هذا هو البشر الذي جاء ذكره من قبل، قد منح القدرة على البيان، وأنه من سيحمل الأمانة.

والخليفة هنا لا تعني كما نحى اليه بعض المفسرين، من أنها نظام الخلائف وهو ما يتبعه النوع البشري من خلافة الجيل لما قبله، أي نظام الخلف والتوالد، فكافة المخلوقات من الحيوانات أو الطيور أو الإسماك أو حتى الأشجار والنباتات، تتبع هذا النظام، وليس فيه ما يجعل النوع الإنساني أفضل من غيره، ولا يستدعي هذا المعنى تعجب الملائكة بقولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فالمعنى لا بد أن يحمل شيئًا من التفضيل والعلو والمسؤولية بل والولاية p . ولا شك إن إعمار الأرض وظيفة منوطة بالبشر فقط دون غيرهم من المخلوقات. ولا يجب أن ننسى في هذا المقام أن المحافظة على الطبيعة والمخلوقات من حيوانات وغيرها من المسؤوليات المناطة وفقًا لمتطلبات الخلافة والأمانة التي عُهد بها إلى الإنسان الحديث.

والخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.“  وقد يكون معناه إضافة الى الولاية، أن آدم وذريته سوف يقومون مقام الإنسان ويسدون مسده.

لماذا يريد الملائكة أن يكونوا خلفاء في الأرض ؟ لماذا المقارنة بينهم وبين ذلك الخليفة ؟ ما العلاقة بين الملائكة والإنسان. الملائكة درجات، منهم من يصطفي الله ويميزهم عن غيرهم، {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(75)} الحج، وهذا يوضح أن هناك درجات عند الملائكة، والدرجات تستدعي التنافس بينهم لإرضاء الله تعالى، والتنافس يستدعي المقارنة، ومع علمهم المسبق بأمر السجود لكائن مخلوق من طين، لا عجب أن يقارنوا أنفسهم بهذه المخلوقات.

 

{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخرَ فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم أنكم بعد ذلك لميتون * ثم أنكم يوم القيامة تبعثون } المؤمنون:12-16

جاء في تفسير الطبري: ”القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}. أسللناه منه، فالسلالة هي المستلة من كل تربة; ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به آدم. ذكر من قال ذلك: عن قتادة: {من طين} قال: استل آدم من الطين. وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {من سلالة من طين} قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خلق من طين. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس: {من سلالة من طين} قال: صفوة الماء. وعن مجاهد في قول الله: {من سلالة} من مني آدم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائه وآدم هو الطين، لأنه خلق منه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لدلالة قوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} على أن ذلك كذلك; لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوله من صلبه صار في قرار مكين; والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه; ومن السلالة قول بعضهم:

        حملت به عضب الأديم غضنفرا                     سلالة فرج كان غير حصين

وقول الآخر:   وهل كنت إلا مهرة عربية                  سلالة أفراس تجللها بغل

فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل. وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل; ومنه قول بعضهم: إذا أنتجت منها المهارى تشابهت    على القود إلا بالأنوف سلائله

وقول الراجز:    يقذفن في أسلابها بالسلائل“ إنتهى.

وجاء مثله عند ابن كثير وقال القرطبي: ”الْإِنْسَان هُنَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره , لِأَنَّهُ اِسْتَلَّ مِنْ الطِّين . وَيَجِيء الضَّمِير فِي قَوْله : ” ثُمَّ جَعَلْنَاهُ “ عَائِدًا عَلَى اِبْن آدَم , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ . نَظِير ذَلِكَ ” حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ “ [ ص : 32 ]. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسُّلَالَةِ اِبْن آدَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره. وَالسُّلَالَة عَلَى هَذَا صَفْوَة الْمَاء , يَعْنِي الْمَنِيّ . وَالسُّلَالَة فُعَالَة مِنْ السَّلّ وَهُوَ اِسْتِخْرَاج الشَّيْء مِنْ الشَّيْء ; يُقَال : سَلَلْت الشَّعْر مِنْ الْعَجِين , وَالسَّيْف مِنْ الْغِمْد فَانْسَلَّ ; وَمِنْهُ قَوْله : فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابك تَنْسُل فَالنُّطْفَة سُلَالَة , وَالْوَلَد سَلِيل وَسُلَالَة ; عَنَى بِهِ الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا . قَالَ الشَّاعِر : فَجَاءَتْ بِهِ عَضْب الْأَدِيم غَضَنْفَرًا سُلَالَة فَرْج كَانَ غَيْر حَصِين وَقَالَ آخَر : وَمَا هِنْد إِلَّا مُهْرَة عَرَبِيَّة سَلِيلَة أَفْرَاس تَجَلَّلَهَا بَغْل“

وهنا نجد الطبري خلص إلى أن آدم خلق من طين، وأن الإنسان المذكور هو ابن آدم والهاء في ”ثم جعلناه نطفة“ تعود الى ابن آدم. وبهذا تكون معاني الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}، الإنسان هو ابن آدم الذي خلق من سلالة من طين، والسلالة هي صفة ماء آدم، وآدم هو الطين؛ لأنه خلق منه فيكون المعنى: ولقد خلقنا آدم من طين، ثم خلقنا أبنه من سلالته، ثم جعلنا الإنسان -أي ابن آدم- نطفة في قرار مكين. أو ولقد خلقنا ابن آدم من ماء آدم، والذي دعا الطبري وابن عباس رضي الله عنهما الى هذا المعنى هو أن الهاء في ”جعلناه نطفة“ لو عادت الى الإنسان بمعنى آدم، لما صلح معنى النطفة التي فسرت أنها مني الرجل وماء الأنثى، ولأن النطفة لا تصح إلا أن تكون نطفة رجل وزوجه، وأول زوجين وفق الشائع هما آدم وزوجه، وعليه جعل لفظ الإنسان يعبر عن ابن آدم. وقال مثله القرطبي ” وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ“

وهذا التفسير كما ذكرنا يبلغنا أن ابن آدم خلق من مني آدم، ويتخطى خلق آدم – وهو إنسان أيضًا- من طين، فلماذا يكون ابن آدم هو الإنسان في حين أن آدم نفسه إنسان، هناك مرحلة هامة تغطي المسافة من طين الى آدم أو بالأحرى إلى إنسان ليست مذكورة وفق تفسيرهم في هذه الآية، أما إعتبار أن لفظ طين يعني آدم، لأنه خلق منه، فهذا تحميلاً للفظ أكثر مما يحتمله. والأهم فان ملخص ما قيل أن ابن آدم خلق من مني آدم، وهذا المعنى لا يحمل خبرًا.

ولو أعدنا لفظ الإنسان الى آدم في قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} لوقعنا في ما حاول المفسرون تجنبه، لأن آدم – وفق ما يؤدي اليه تفسير الطبري – لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. ولكن من أين جئنا بفرض أن آدم لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. لقد نتج هذا من الإعتقاد بخلق آدم آنيًا ومباشرة من الطين، وهذا فرض ما زال علينا أن نجد عليه دليلا قرآنيا، وليس الإعتماد فقط على القصة الشائعة، وحتى لا نخرج عن سياق الآية، نترك هذا الأمر تاركين لللآيات الكريمة حتى ترجح لنا.

إن المراحل التي تبدأ بالنطفة حتى كسونا العظام لحمًا، هي وصف تطور الجنين في الرحم، يأتي بعدها مرحلة منفصلة {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، فهل يدل هذا أن إنشاءه خلق آخر، يحدث في الرحم لكل فرد من هذا النوع، هذا ما ذهب اليه المفسرون، يقول الطبري ”وَقَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } يَقُول : ثُمَّ أَنْشَأْنَا هَذَا الْإِنْسَان خَلْقًا آخَر . وَهَذِهِ الْهَاء الَّتِي فِي : { أَنْشَأْنَاهُ } عَائِدَة عَلَى ” الْإِنْسَان “ فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان } قَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْعَظْم وَالنُّطْفَة وَالْمُضْغَة , جُعِلَ ذَلِكَ كُلّه كَالشَّيْءِ الْوَاحِد , فَقِيلَ : ثُمَّ أَنْشَأْنَا ذَلِكَ خَلْقًا آخَر . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنْشَاؤُهُ إِيَّاهُ خَلْقًا آخَر : نَفْخه الرُّوح فِيهِ , فَيَصِير حِينَئِذٍ إِنْسَانًا , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ صُورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19264 -حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } قَالَ : نَفْخ الرُّوح فِيهِ .“

والخلق الآخر q  يستدعي تغيير الخلقة، ويمكن أن يكون هذا التغيير هو ما نجده من اختلاف الناس r ، ولكن هذا الإختلاف الطفيف – بالنسبة للتغييرات والتحولات التي سبقته – لا يستدعي التعبير عنه بكونه ”خلقا آخر“. إذ يدل التعبير على البدء في مرحلة جديدة من مراحل الخلق والإحداث، تميزت بأنها تختلف عن المراحل السابقة بأنها أخذت وجهة أخرى، ونتج عنها خلقًا آخر، أي خلق غير الأوّلِ، والإختلاف الذي يعبر عنه لفظ ”آخر“ قد يكون في النوع أو في الشكل أو في أي شيء، كل ما سبق هذا من نطفة وعلقة وعظامًا، كان حيًا وينمو ويختلف عما سبقه في التكوين والشكل، ومع ذلك لم يعبر عنه أنه خلقًا آخر.

إذا كانت الهاء في لفظ أنشأناه تعود الى الإنسان كنوع، استدعى ذلك تغيير النوع، أما إذا عادت الهاء الى العظام التي كسوناها لحمًا، فقد قال المفسرون في قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي نفخنا الروح فيه، فأصبح إنسانا، غير ذاك الذي كان من عظاما ولحمًا، والذي كان قبل ذلك صورة. ولكننا بدأنا تفسير الآيات بأن كل هؤلاء من نطفة وعلقة ومضغة وعظامًا يعودون الى لفظ الإنسان، فكيف يكون نفخ الروح في هذه الأشياء يجعلها خلقا آخر هو الإنسان ذاته الذي بدأنا منه. إلا أن ما ذكرناه يصح إذا كان معنى ”الإنسان“ لا يعود الى آدم وإنما يعود الى النوع الإنساني، وقد يكون الخلق الآخر هو البشر، الذي هو فرع من الإنسان يختلف عنه وأرقى منه، والذي بدأ بآدم، أي يكون آدم في نهاية الحلقات وليس في أولها، وعليه يصح تفسيرهم أن الخلق الآخر يعني نفخ الروح فيه، فينشأ خلق آخر هو آدم، أول البشر، إلا أن هذا المعنى يخرج الآية من كون جزء منها يصف نمو الجنين في الرحم، ويضعها كلها مع الآيات المتعلقة بالنشأة من الأرض.

الخلق هو تقدير مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، وابداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، ونعود الى معنى {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، هنا لم يرد التعبير على أنه خلق خلقا آخر، وانما أنشأ، الإنشاء حمل معه معنى النمو والسمو والظهور والإمتداد الزمني، وسبق ان قلنا ان الهاء في أنشأناه تعود الى الإنسان أو الى العظام الذي كسي لحمًا، وهذا أيضًا يعود الى الإنسان، أي أن الله تعالى أنشأ الإنسان خلقًا آخر، والخلق هو ما ينتج عن التقدير والإبداع على نحو لم يسبق إليه، أما آخر فتدل على ما هو غير الإنسان، وما لدينا غير الإنسان الا البشر. فيكون دلالة الآية أن الإنسان خلق ثم إنشأ بشرًا. والبشر أسمى من الإنسان وقد ظهر عليه وحل محله. والإنسان لفظ عام يعبر عن المخلوق الذي وقف على قدميه، والبشر نوع منه، سما وارتفع عنه وكان له القدرة على التفكير والكلام والبيان. أي أن كل بشر إنسان، وليس كل إنسان بشر، إلا أنه حيث أن كل إنسان ليس بشرًا قد هلك واندثر، يمكننا اليوم أن نقول أن كل إنسان على هذه الأرض بشر.

          من معاني خلق أنه أبداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، وإبداع تدل على إحداث شيء أو أمرًا جديد لم يفعله أحد من قبل، وكل هذه التحولات كانت خلقًا، فان أخذنا بأن معناه ما يحدث لكل جنين، ففيما عدا أول جنين، كل التالين ليسوا خلقُا على نحو ما لم يسبق إليه، وإنما تكرارًا وان اختلفت صفات المولود. وعليه فإما أن تعود الآية الى أول جنين، أو تعود الى النشأة من الأرض، أو كلاهما، فان كان، فهذا يبين قدرة الصيغة وإعجازها.

فرضنا في معرض إستدلالنا السابق أن السلالة مقصود بها ما سل من الأرض، كما ذهب السلف، لأنهم أعتبروا أن الإنسان هو آدم الذي وفق علومهم خلق مباشرة من الطين. أما لو كانت السلالة بمعنى الإنحدار من نسب واحد معين، والسلالة هي جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب واحد،  Lineage  Descent ، كما هو المعنى الشائع لهذا اللفظ في عصرنا، وربما كان هذا المعنى معروفًا في الجاهلية، السلالة والسليل: الولد والأنثى سليلة، إذ قالت هند بنت النعمان:

وما هندُ إلا مهرةٌ عربيةٌ         سليلة أفراس تجلَّـلها بغل        (وقيل نغل)

والسليلة هنا بمعنى أتت من سلالة أفراس، وأفراس هنا بصيغة الجمع تدل أنها تعود الى سلسلة نسب لأكثر من جيل واحد، أي لم يقصد أنها سليلة لأنها خلقت من السلالة بمعنى النطفة أو ما سل من صلب الذكر وماء الأنثى، وانما أنها تنحدر من نسب معين، وهذا يؤدي أيضًا الى نفس المعنى.

          فلو أخذنا سلالة بمعنى جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب معين، فانه من الممكن القول أن الإنسان هو الذي جاء من نتاج هذه السلالة التي أولها كان من الطين، وبالتالي فكل ما جاء بعد ذلك يعود الى خلق الإنسان في الرحم حتى تكونه كمخلوق ذو عظم مكتسي باللحم، ثم أنشأناه خلقًا آخر، أي غير الإنسان، وهنا يكون خلق آدم أبو البشر.

ترى هل يمكن القول أن الإنسان تكون من سلالة من طين، ثم كان نسله بالطريقة التي ذكرت، نعم، وهذا ما ذهب اليه تقريبًا المفسرون، ولكن في مرحلة محددة تم إنشاؤه خلقًا آخر، وهنا نجد أن الآية لا تتحدث فقط عن خلق الإنسان وإنما عن خلق نوعا آخر جاء منه. أي أن الإنسان خلق من سلالة من طين، حتى أصبح على الشكل الذي نعرفه، وتناسل بالطريقة المذكورة في الرحم، وبعد دهرًا من الزمان، أنشأه الله خلقًا آخر، هو البشر بدءًا بأبوهم آدم. وألا يتفق هذا مع قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}.

وقد فرضنا أن تعبير إنسان يقصد به النوع والجنس، والمعنى أن خلق هذا النوع لم يأت مباشرة من الطين، قد راود مثل هذا المعنى بعض الفقهاء والمفسرين، إذ قالوا بمثل هذه المعاني، يقول الشيخ سيد قطب s  رحمه الله : ”ان أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ومن عناصره الرئيسية، التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين، وان هناك أطوارًا بين الطين والإنسان تشير اليها كلمة سلالة في قوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} وقوله {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ماء مهين}“. وورد أيضًا عن الشيخ رحمه الله: ”{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }.. وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها. فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.. وهي حقيقة نعرفها من القرآن، ولا نطلب لها مصداقاً من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان، أو نشأة الأحياء. إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالاً للتدبر في صنع الله، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان المتسلسل في نشأته من ذلك الطين. ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافه الكبيرة. أما النظريات العلمية فتحاول إثبات سلم معين للنشوء والإرتقاء، لوصل حلقات السلسلة بين الطين والإنسان. وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة ـ التي سكت القرآن عن تفصيلها ـ وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن.. حقيقة التسلسل.. وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل وهي المحاولات التي تخطئ وتصيب، وتثبت اليوم وتنقض غداً، كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان.

والقرآن يعبر أحياناً عن تلك الحقيقة باختصار فيقول: {… بدأ خلق الإنسان من طين }.. دون إشارة إلى الأطوار التي مر بها. والمرجع في هذا النص الأكثر تفصيلاً، وهو الذي يشير إلى أنه { من سلالة من طين } فالنص الآخر يختصر هذه الأطوار لمناسبة خاصة في السياق هناك.

أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية. وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد، وبسبب عوامل وعلل أخرى لم يكشف عنها الإنسان.

ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات أن القرآن يكرم هذا الإنسان؛ ويقرر أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان. وهنا تفترق نظرة الإسلام افتراقاً كلياً عن نظرة الماديين. والله أصدق القائلين.

ذلك أصل نشأة الجنس الإنساني.. من سلالة من طين.. فأما نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك، فتمضي في طريق آخر معروف.“ أنتهى.

ونجد فيما سبق أن الشيخ رحمه الله يرى ما يلي:

  • ان أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ومن عناصره الرئيسية، التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين،
  • وان هناك أطوارًا بين الطين والإنسان تشير اليها كلمة سلالة
  • أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.
  • أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية
  • وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد،
  • ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات، ……، أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان.

ونتفق مع ما سبق، وخاصة أن فكرة خلق آدم مباشرة من الطين، والتي اعتقد بها السلف، لم ترد في حديث الشيخ رحمه الله، والذي ورد عنه أقرب الى نفيها وان لم تذكر. ومع إتفاقنا مع الشيخ رحمه الله، إلا أننا نرى أن تسلسل الإنسان من الطين، قد لا يكون مسكوتًا عنه كلية.

وبالرغم مما جاء أعلاه، إلا أن الشيخ رحمه الله رفض الفكر الدارويني عن تطور الإنسان عمن سبقه من المخلوقات، إذ جاء في الظلال: ”” وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي  الإنساني كان ترقياً في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقياً في وجود الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.“ وأضاف رحمه الله : ”وعندئذ تكون نشأة النوع الأنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع.. وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية“.

     ولنا أن موضوع هل كانت نشأة النوع الإنساني مستقلة، أم أنها مشتركة مع كل أنواع الحياة الأخرى، قد يتبين من دراسة النصوص.

ويقول الشيخ عبد الكريم الخطيب (جزء 13 : جزء 18 ص 233 التفسير القرآني للقرآن ، دار الفكر العربي ): ” ان آدم لم يخلق مباشرة من التراب، وانما كان خلقه حلقة في سلسلة التطور، وانه اذا كان الطين مبدأ الخلق، فانه قد تنقل في هذا الطين من عالم الى عالم، ومن خلق الى خلق، حتى كان الإنسان آخر حلقة في سلسلة هذا التطور، فظهر فيها الكائن العاقل وهو آدم ..أو الإنسان .. ويقول: وفي قوله تعالى: { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } إشارة الى أن آدم لم يظهر من الطين ظهورًا مباشراً ، وانما ظل دهورًا طويلة في بوتقة الزمن حتى استوى ونضج، فالفاء في قوله تعالى {فإذا سويته } تفيد التعقيب، ولكنه تعقيب يأخذ من عمر الزمن ملايين السنين.. { وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } “ أنتهى.

وقبل أن نترك هذه الآيات من سورة المؤمنون، نعيد النظر فيها إذ قد نجد  أيضًا المعنى المرحلي الذي يصف خطوات تطور خلق الإنسان بدءًا من الطين.

{لقد خلقنا الإنسان..} أي قدرنا ما منه سيكون الإنسان، {من سلالة من طين..} أي أنه سينحدر من سلالة أو سلسلة أولها من الطين المتغير، والمراحل المذكورة بعد ذلك عددت فقط تلك التي تؤدي الى الإنسان، ولهذا لم يأت ذكر الفروع الأخرى كالنباتات.

لقد وجدت أول خلية حية بسيطة تنقسم وتتكاثر من الطين المتغير، وكان لهذه الخلية البدائية النوى، جدار خارجي يحميها ويحمي جزئيها الهيولي وشبيه النواة، ويوجد في منطقة شبيه النواة الشفرة الجينية للحمض النووي والذي كان أولاً (أر ان ايه) ثم تطور الى (دي ان ايه). وليس لنواة هذه الخلية جدار نواة. والبكتيريا من الكائنات وحيدة الخلية من نفس النوع بدائي النوى وكذلك الطحالب الزرقاء المخضرة، وقد وجدت هذه الخلية منذ أكثر من 3,5 بليون سنة.

والخطوة التي تلت الخلية البدائية النوى، هي ظهور الخلية حقيقية النوى، تميزت عن الأولى أن الحمض النووي يستقر في نواة لها جدار مضاعف قوي يحمي النواة، وقد ظهرت هذه الخلية منذ حوالي 2 بليون سنة، وهذه الخلية هي ما ينبني بها أجسام كل الأحياء متعددة الخلايا (مثل الحيوانات والنباتات والفطريات).

اذا كانت الحياة تعرف بأنها آلية التكاثر، فان الحمض النووي هو هذه الآلية، والخلية توفر له غرضين هامين، أولاً توفير الحماية للسلسة الوراثية الضعيفة جدًا (دي ان ايه)، وثانيًا توفير المكان الملائم لتتم عمليات التطور البيولوجي المعقدة. وحيث أن الحمض النووي هو الذي يحمل تعليمات السلسلة الوراثية، وهو الذي يحفظ تطورها، فان الحمض النووي هو الذي قدر له أن يتطور.

{ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} وتدلنا الآية أن النطفة وهي القليل من الماء ويمكن أن تكون تعبيرًا عن الحمض النووي المقدر له أن يتطور حتى يصبح أنسان، قد جعلت في قرار مكين، وهو نواة الخلية حقيقية النوى ذات الجدار المضاعف القوي.

{ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا….}

والعلقة t  هي الكائنات متعددة الخلايا، والتي ظهرت عندما تعلقت الخلايا مع بعضها البعض، وأول ما ظهر من العلقة Lichen هي الكائنات الرخوية مثل الدودية، والأسفنج والمرجان والسمك الهلامي، ثم تطورت عنها المضغة، وقد تكون هي الحيوانات اللافقارية اللاعظمية البدائية، ثم خلقت المضغة عظامًا وقد تكون الحيوانات البحرية القشرية وذات الأظهر الفقارية والزواحف، والكائنات التى لها درع عظمي خارجي مثل الأصداف البحرية والقواقع والمحار،  وبعدها كسي العظم لحمًا فظهرت الثدييات ذات الدم الدافيء ومنها الحيوانات والأنسان الأول ثم أنشأت خلقًا آخر هو البشر، والله أعلم.


{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا ءَالَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69)} الاعراف

تشير الآية هنا الى تطور في الخلق وزيادة في بنية قوم عاد عن تلك التي كانت لقوم نوح. وهذه الزيادة في الخلق تبين أن الخلق في هذه الحالة عملية مستمرة، شملت كل قوم عاد الذين خلفوا قوم نوح. ولا ندعي أننا نجد هنا أشارة الى العملية التطورية التي شملت خلق الحياة بكافة أنواعها، إلا أنها إشارة واضحة لحدوث هذا التطور أو الطفرة في المرحلة المذكورة اللاحقة لمرحلة آدم.


{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } آل عمران:59

يقول القرطبي:”” دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقِيَاس . وَالتَّشْبِيه وَاقِع عَلَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب كَآدَم , لَا عَلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَاب . وَالشَّيْء قَدْ يُشَبَّه بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ بَيْنهمَا فَرْق كَبِير بَعْد أَنْ يَجْتَمِعَا فِي وَصْف وَاحِد ; فَإِنَّ آدَم خُلِقَ مِنْ تُرَاب وَلَمْ يُخْلَق عِيسَى مِنْ تُرَاب فَكَانَ بَيْنهمَا فَرْق مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , وَلَكِنْ شَبَه مَا بَيْنهمَا أَنَّهُمَا خَلْقُهُمَا مِنْ غَيْر أَب ; وَلِأَنَّ أَصْل خِلْقَتهمَا كَانَ مِنْ تُرَاب لِأَنَّ آدَم لَمْ يُخْلَق مِنْ نَفْس التُّرَاب , وَلَكِنَّهُ جَعَلَ التُّرَاب طِينًا ثُمَّ جَعَلَهُ صَلْصَالًا ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْهُ , فَكَذَلِكَ عِيسَى حَوَّلَهُ مِنْ حَال إِلَى حَال , ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا مِنْ غَيْر أَب . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِسَبَبِ وَفْد نَجْرَان حِينَ أَنْكَرُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : ( إِنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَكَلِمَته ) فَقَالُوا : أَرِنَا عَبْدًا خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب ; فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ “ . فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ” وَلَا يَأْتُونَك بِمَثَلٍ “ أَيْ فِي عِيسَى ” إِلَّا جِئْنَاك بِالْحَقِّ “ فِي آدَم ” وَأَحْسَن تَفْسِيرًا “ [الْفُرْقَان : 33 ] . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام قَالُوا : قَدْ كُنَّا مُسْلِمِينَ قَبْلك . فَقَالَ : ( كَذَبْتُمْ يَمْنَعكُمْ مِنْ الْإِسْلَام ثَلَاث : قَوْلكُمْ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَأَكْلكُمْ الْخِنْزِير , وَسُجُودكُمْ لِلصَّلِيبِ ) . فَقَالُوا : مَنْ أَبُو عِيسَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: {ِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب }““ .

أتفق المفسرون الأوائل أن وجه الشبه بين عيسى وآدم عليهما السلام، أن كلاهما خلق من غير أب. وأتفقوا أن هذه الآية نزلت بسبب حديث وفد نجران عن بنوة السيد المسيح، لأنه خلق من غير أب. لتبين أن آدم خلق أيضًا من غير أب وفق تفسيرهم للآية. وقد يكون هذا هو القصد من الآية في تلك المرحلة، أي أن قد يكون هذا التفسير مرحليًا.

والتفسير الذي أوردناه عن القرطبي، أحتوى قصة وحديث وفد نجران مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ووفقًا للرواية التي عرضها القرطبي، فان النبي صلعم أجابهم بقوله ” آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ .“ وهذا يتعارض مع كل الروايات الأخرى عن نفس الحادثة، والتي وردت في تفاسير ابن كثير والطبري، وتختلف أيضًا عن الرواية الثانية عن القرطبي وفق المذكور أعلاه، حيث بينت كل الروايات الكثيرة الأخري، أن الرسول صلعم اما لم يجبهم وانتظر الوحي أو قال غير الذي جاء في رواية القرطبي الأولى. ونورد هنا هذه الروايات كما وردت في التفاسير المشهورة:

ذكر أبن كثير في معرض تفسيره الآية ورواية حادثة وفد نجران: ”قَالَا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّد ؟ فَصَمَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا فَلَمْ يُجِبْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ وَاخْتِلَاف أَمْرهمْ صَدْر سُورَة آل عِمْرَان إِلَى بِضْع وَثَمَانِينَ آيَة مِنْهَا“ ثم ذكر ابن كثير رواية أخرى فيها :” ثُمَّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمْ الْمَسْأَلَة حَتَّى قَالُوا لَهُ : مَا تَقُول فِي عِيسَى فَإِنَّا نَرْجِع إِلَى قَوْمنَا وَنَحْنُ نَصَارَى يَسُرّنَا إِنْ كُنْت نَبِيًّا أَنْ نَسْمَع مَا تَقُول فِيهِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْء يَوْمِي هَذَا فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِركُمْ بِمَا يَقُول لِي رَبِّي فِي عِيسَى “ فَأَصْبَحَ الْغَد وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة ” إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم – إِلَى قَوْله – الْكَاذِبِينَ “ أنتهى

وجاء في تفسير الطبري نفس الرواية من عدة مصادر نذكر منها واحدة: ”حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعَاقِب وَالسَّيِّد مِنْ أَهْل نَجْرَان , وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : بَلَغَنَا أَنَّ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان قَدِمَ وَفْدهمْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب , وَهُمَا يَوْمئِذٍ سَيِّدَا أَهْل نَجْرَان , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد فِيمَا تَشْتُم صَاحِبنَا ؟ قَالَ : ” مَنْ صَاحِبكُمَا ؟ ” قَالَا : عِيسَى اِبْن مَرْيَم , تَزْعُم أَنَّهُ عَبْد . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَجَلْ إِنَّهُ عَبْد اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ “ , فَغَضِبُوا وَقَالُوا : إِنْ كُنْت صَادِقًا , فَأَرِنَا عَبْدًا يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَكَمَه , وَيَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر , فَيَنْفُخ فِيهِ , الْآيَة . .. لَكِنَّهُ اللَّه ! فَسَكَتَ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم } . .. الْآيَة , 5 17 فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا جِبْرِيل إِنَّهُمْ سَأَلُونِي أَنْ أُخْبِرهُمْ بِمَثَلِ عِيسَى “ . قَالَ جِبْرِيل : مَثَل عِيسَى كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون . فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَادُوا , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْآيَات.“ أنتهى

ومع تعدد الروايات، نجد أن الرسول صلعم في الأغلب لم يقل ما ورد في رواية القرطبي الأولى، وانما انتظر الوحي فنزلت الآية، وعليه يمكن استنتاج أن تحديد وجه التشابه بين عيسي وآدم عليهما السلام أنهما خلقا من غير أب، هو تفسير الأوائل واجتهاد بشري، ويصح أن يكون هذا ما تعنيه الآية ويصح غيره، وفق ما ستدلنا عليه دراسة الآية الكريمة.

تشير الآية الكريمة أن {مثل عيسى عند الله كمثل آدم}، وكان يكفي هذا القول ليعلم الناس أن عيسى عبد الله مثل آدم عبد الله ومن خلقه، لقوله سبحانه وتعالى”عند الله“ حيث أن ”عند“ هنا بمعنى الحكم وقد تكون أيضًا ظرف مكان، ولكن الأرجح أنها عند الله أي بحكم الله تعالى، وما يحكم به الله فلا خيار فيه ولا اجتهاد، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ُسُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} القصص، يقول ابن كثير: ” يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَار وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُنَازِع وَلَا مُعَقِّب قَالَ تَعَالَى : { وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار } أَيْ مَا يَشَاء فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَالْأُمُور كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا بِيَدِهِ وَمَرْجِعهَا إِلَيْهِ. وَقَوْله: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة} نَفْي عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُوله أَمْرًا أَنْ يَكُون لَهُمْ الْخِيَرَة مِنْ أَمْرهمْ}“.

إلا أن الله سبحانه وتعالى تفضل على الناس وبيَّن وجهين للشبه وهما أن كلاهما خلق من تراب، ثم تلا الخلق من تراب قوله سبجانه وتعالى كن فيكون. الذي نلاحظه أيضًا في الآية المذكورة أنه لم يأتِ ذكر أن وجه الشبه بينهما أن كلاهما خلق من غير أب، وانما ذكر وجهين لهذا التشبيه، الخلق من التراب، ثم الأمر الألهي ”كن فيكون“. كلاهما خلقا من التراب، وكلاهما تكون وفق ارادة الله التي تعلو على القوانين التي وضعها في العالم، أي كلاهما خلق ثم جعل وفق معجزة أرادها الله سبحانه وتعالى، قد تكون المعجزة أنهما خلقا من غير أب، أو شيء آخر.

وجه الشبه الأول، الخلق من التراب، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجود المخلوق، وأصل خلق الإنسان والبشر من التراب، وآدم وعيسى كلاهما من جنس البشر، وخلقا من التراب.

التعبير القرآني خُلق من التراب، لا يعني بالضرورة أن المخلوق خلق من التراب مباشرة، وانما أصل خلقه من التراب. في قوله تعالى {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجًا .. } فاطر 11، وقوله تعالى: {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً} الكهف 37، وفي هذا التعبير القرآني u، المعنى المتفق عليه، وهو أتكفر بالذي بدأ خلقك من تراب، ولا تعني الآية في سورة فاطر ان الناس خلقوا من التراب مباشرة، كما لا تعني الآية في سورة الكهف أن الرجل المخاطب خلق مباشرة من التراب.

ووجه الشبه هذا، لا يجمعهما وحدهما فقط، وانما يجتمع فيه كل الناس؛ بل وكل المخلوقات في الأرض، وقد ورد هذا الشبه في الآية ليبين أن عيسي إنسان وبشر، وأنه من هذا النوع والجنس، وفي هذا الرد على من يدعي بنوة المسيح أو ألوهيته معاذ الله وتعالى عما يصفون، فهو مخلوق من التراب مثله مثل كل الناس، ومثل آدم أول البشر.

والذي قد يدلنا على هذا المعنى أن قوله تعالى كن فيكون، كان ليكون كافيًا لخلق عيسى وخلق آدم، وأنما أضاف الخلق من التراب قبل الأمر الإلهي لتأكيد بشرية عيسى. في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (82) يس، وقوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (40) النحل، نجد أن الله فعال لما يريد، دون الحاجة للخلق من التراب أو الإيجاد التطوري.وقوله تعالى {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (35) مريم، لم يأتِ ذكر الخلق من التراب.

أما وجه الشبه الثاني بينهما، فهو أنه وبعد خلقه أو تقدير ما منه وجوده، قال له كن فكان ما أراد الله تعالى، أي أنه بالرغم أن بدء خلقهما كان مثل كل الناس، أي أنهما من جنس البشر، إلا أن الله أمر شيئًا أراده.

وقد يكون مجرد القول الألهي ”كن“ يكفي كوجه تشابه بينهما، أما مضمون هذا القول فقد يختلف، وجه الشبه بينهما أن الله منح كلا منهما شيئًا لم يسبق أن منحه لغيرهما من الناس. قلنا أن مجرد القول الإلهي كن فيكون، يكفي كوجه تشابه بينهما، لأنه لم يأتِ مثله في القرآن لغيرهما من البشر، إذ لم يذكر في خلق إسحاق v  وخلق يحي w ، وكلاهما خلق بفضل من الله ومشيئته، والتي تجاوزت بعض القوانين الطبيعية التي وضعها سبحانه وتعالى.

          ولو نظرنا في آيات القرآن الأخرى التي ذكرت إعجاز خلقهما، نجد أنهما تشابها أيضًا في ورود مصطلحي ” ونفخت فيه من روحي“ في خلق آدم، و ”فنفخنا فيها من روحنا x “ في  خلق عيسى. هذا وجه تشابه يتعلق بمراحل الخلق، لم نجده عند أحد غيرهما وفق ما ورد في النصوص القرآنية.

وعيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية للعالمين، {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}، إذ ولد من غير أب،  ويكلم الناس في المهد وكهلاً، {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران.

وآدم أبو البشر اصطفاه الله وجعله خليفة في الأرض، وعلمه البيان، وتفوق على الملائكة بمعرفة الأسماء، وسجد له الملائكة، وحُمَّل الأمانة وعُهد إليه، ومُنح الأرادة وحرية الإختيار، وأنيط به وبذريته مسؤولية إعمار الأرض.

إن القدرة على الكلام البين، هي ما ميز نوعنا على كل الأنواع الأخرى التي خلقها الله تعالى في الأرض، هي المعجزة الدائمة الباقية حتى تأتي الساعة. القدرة على الكلام البين تحمل معها بالضرورة العقل القادر على التفكير، والقادر على الإختيار. وهذه نعمة أنعم الله بها على آدم ومن بعده بنيه، وقد تكون قد حدثت بأمر إلهي كن فكان في نفس اللحظة، أو بارادة وأمر الهي، نتج عنه تطور المخلوق الذي بدء خلقه من التراب، حتى استوى وبلغ مبلغه ليصبح انسانا عاقلا وناطقا.

كلاهما خلق من تراب، وكلاهما منح قدرات لم تكن لتكون لديه لولا فضل الله ونعمته. ان قدرات عيسى وقتية وتخصه هو ومن شهدها من الناس ومن صدق بها، بينما القدرات التي تلقاها آدم دائمة باقية، وانتقلت الى ذريته، وعمت بالخير على الجنس البشري وتظل فائدتها حتى تقوم الساعة. قد يقول قائل أن كل الناس يتمتعون بهذه القدرات وعليه فليست معجزة، إلا أن آدم كان أول من نطق وتعلم البيان، وكان هذا من اكتمال صورة وتركيب الفك والحلق بالصورة التي تمكنه من النطق المبين، ثم كان أول من تعلم الأسماء. قد يكون هذا قد حدث من جراء تطور النوع البطيء أو بطفرة، ويبين لنا القرآن أن هذا التكوين تم بمشيئة الله وأرادته وأمره. وعليه فان أثر معجزة تكوين آدم عندنا، أي لنا نحن البشر، هي في وجودنا كبشر عاقل قادر على إعمار الأرض وقادر على تلقي الرسالة.

المهم في الآية أن الخلق حدث قبل القول له كن، أي أن القول أدى الى حدوث شيء غير الخلق، والذي كان قد تم إما فعلاً أو تقديرًا، وفي الآية {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (35) مريم، والآية {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (47) آل عمران. تدل الآيتان على قدرة الله أن يخلق عيسى بالقول والمشيئة، بينما الآية التي نحن بصددها فصَّلت هذا الخلق، أن الخلق حدث أولاً من التراب، ثم تلى الخلق من التراب الأمر الإلهي. وقضى أمرًا أي قرره وقدره وأحكمه وفرغ منه، وعليه فان خلق عيسى من غير أب حدث قبل الأمر الإلهي كن، والأرجح أن التعبير القرآني (فنفخنا فيها من روحنا) هو ما أدى الى الخلق من غير أب.

أما بالنسبة الى آدم، وفي ضوء الآيات الأخرى التي درسناها، نجد أن لدينا إحتمالين، الأول أن آدم خلق مباشرة من الطين، من غير أب ولا أم، مماثلاً ومساويًا للنوع الإنساني الذي تطور من الخلية الأولى، وخلق أيضًا بنفس التعبير القرآني في قوله (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي). ثم منح قدرات أعلى من تلك التي كانت عند الإنسان الذي تطور، نتجت عن تعديل خلق الفك والحلق. {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك} الانفطار:6-8. والإحتمال الثاني أن الله تعالى قد اصطفاه من النوع الإنساني عندما بلغ هذا الجنس مرحلة معينة من التطور، أي أن يكون الجنس الإنساني قد تطور وفقًا لنظم التطور الطبيعي، حتى وصل الى درجة من النماء العقلي وتكوين الجمجة والفكين والحنجرة، بما يمكنه من التفكير والنطق، فاصطفاه الله وعلمه البيان وجعله خليفة في الأرض وكرمه وفضله. وفي الحالتين، كان آدم أول النوع الإنساني الجديد، والذي تفوق على الأنواع الأخرى، فاندثرت وبقى هذا النوع الذي نحن جميعًا من ذريته. والأرجح هو الإحتمال الثاني بناء على الآيات الأخرى التي ننظر فيها.

          عيسى خلق من أم دون الحاجة الى أب، بينما آدم خلق وفق الرواية الشائعة من غير أب ومن غير أم، وهذا ليس تشابهُا لأن عيسى خلق من وفي رحم امرأة، وولد طفلاً ونشأ حتى كبر وبلغ أشده، بينما آدم وفق الرواية الشائعة كان طينًا وتحول الطين الى رجل مباشرة، ثم خلقت منه زوجته. وقد نجد أن أقرب تشبيه لعيسى هي زوجة آدم، التي خلقت من رجل دون الحاجة الى أمرأة. أيضًا نجد أن خلق انسان من بويضة امرأة ممكنًا وفق قواعد الاستنساخ في عصرنا الحديث، إذ يمكن تخصيب البويضة بخلية من الأم نفسها، دون الحاجة الى رجل. أما خلق رجلاً سويًا من الطين مباشرة فهذا خارج حدود حتى التخيلات العلمية، أي أنه معجزة من وجهة نظر العلم، يجعل وجود الإنسان غير ممكنا عقله. وحيث أن الآية الكريمة لم يرد فيها أن كلاهما خلق من غير أب، فليس لنا أن نقَّول ألفاظ الآية بما لم تقله. لو أخذنا بأسباب النزول فسوف يتضح لنا لماذا أتجه المفسرون الأوائل لهذا التفسير، إلا أن الآيات القرآنية يجب أن تفسر أيضًا بما تدل عليه لأنها موجهة الى كل الناس في كل الأزمان، وتجيب على ادعاء اتباع المسيح كلها، سواء كانت الخلق من غير أب، أو قدراته التي أودعها الله تعالى فيه، كإحياء الموتى، وشفاء المرضى، والخلق من الطين كهيئة الطير، وغيرهم. لأننا لو حصرنا الآية بمعنى أنه خلق من غير أب، فسيقولون من من الناس يقدر على ما يقدر عليه عيسى عليه السلام، فجاءت الآية بالأمر الإلهي كن، لتبين أن الله منحه هذه القدرات بمشيئته وإذنه، وأن هذه القدرات عند الله يسيرة وبسيطة، كما جعل آدم ناطقًا ومفكرًا ومكرمًا وخليفة. أما لنا نحن البشر، فلولا معجزة آدم لما كنا لنقدر أن نعي الرسالات، بما فيها رسالة ومعجزات عيسى.

          خلق عيسى كان معجزة في عصره وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، واكتمال خلق آدم كان معجزة في زمانه وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، وخلقهما لم يكن المعجزة الوحيدة التى مُنحت لهما، وانما الإعجاز يتبين في القدرات التي منحا إياها، جعل عيسى آية للناس فكان يحي الموتي ويخلق من الطين طيرًا بإذن الله، وجعل آدم خليفة في الأرض وتعلم البيان وسجدت له الملائكة. وكانا وحدهما اللذان جاء فيهما ذكر النفخ من روح الله، ووحدهما من البشر اللذان جاء فيهما ذكر الأمر الإلهي كن.

          خلق عيسى بمعجزة وكان الناس قد خلقوا من قبله، ويصح أن آدم خلق بمعجزة إلهية من الطين مباشرة، أو خلق بمعجزة تمام خلق الإنسان من التراب ثم اصطفيَّ من الناس الذين كانوا في زمانه ومنح القدرة على البيان.

 

<< previous page next page >>
  1.   ويجب أن نلاحظ هنا أن قاعدة معقولية الأمر لا تطبق كلما وجدنا أمراً إلهيًا، فبعض الأوامر تكون تحديًا للمأمور مع العلم بعدم قدرته على التنفيذ، وهذا يكون واضحًا بدلالة النص ومثال ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (13) هود. أو يكون الأمر مع قدرة المأمور على التنفيذ وعجزه عنه لقصور علمه عن معرفة حدوث الظواهر المنوط بها تنفيذ الأمر وهذا يستدعي أمراً ثانيًا عند حدوث هذه الظواهر، مثل قوله تعالى: :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }، ويكون القصد من هذا الأمر الإعلام بالخلق والإعلام بأهمية المخلوق التي عبر عنها بأمر السجود له. ويجب أن نلاحظ أن معقولية الأمر تطبق على الأوامر الصادرة الى البشر، أما معقولية الأوامر والأحداث التي تجري في عالم الغيب (الميتافيزيقي أو ما وراء الطبيعة) فهذه قد لا ينطبق عليها الشروط العقلانية التي تحكم عالمنا المشاهد، ولها نظامها الخاص الذي لا نستطيع أن نخوض فيه أو نعقله، وهذه حقيقة علمية يقبلها العلم الحديث ويمتنع لذلك عن الخوض فيها  (back)
  2. وقد تدل الآية أيضًا، على أن بذرة الحياة التي قد تكون قد هبطت من الفضاء الخارجي، (كما تقول بذلك بعض النظريات العلمية)، نشأت على الأرض متى توفرت لها الظروف المواتية.  (back)
  3. قد نجيب الآن بلا وبنعم، فكما ان خلق سيدنا عيسى بقدرة الله تعالى لم يأت بنوعًا جديدَا محدثًا، فليس بالضرورة ان خلق البشر (آدم) بقدرة الله سبحانه وتعالى والتي ربما تكون قد تجاوزت قوانين الطبيعة التي وضعها افي هذا الكون عندما خلقه {وجعلنا في كل سماء أمرها}، ليس بالضرورة أيضًا أن يكون البشر مخلوقًا من نوع جديد، إذ قد يكون تطورًا واكتمالاً لنوع الإنسان أو طفرة منه.   (back)
  4. جاء عند الطبري في تفسيره:ِ ”” وَقَوْله : {حِين مِنْ الدَّهْر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر هَذَا الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَرْبَعُونَ سَنَة ; وَقَالُوا : مَكَثَتْ طِينَة آدَم مُصَوَّرَة لَا تُنْفَخ فِيهَا الرُّوح أَرْبَعِينَ عَامًا , فَذَلِكَ قَدْر الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع ; قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لِأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ جِسْم مُصَوَّر لَمْ تُنْفَخ فِيهِ الرُّوح أَرْبَعُونَ عَامًا , فَكَانَ شَيْئًا , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا حَدّ لِلْحِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; وَقَدْ يَدْخُل هَذَا الْقَوْل مِنْ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر , وَغَيْر مَفْهُوم فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال : أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين قَبْل أَنْ يُوجَد , وَقَبْل أَنْ يَكُون شَيْئًا , وَإِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ : أَتَى حِين قَبْل أَنْ يُخْلَق , وَلَمْ يَقُلْ أَتَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الدَّهْر فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَلَا حَدّ لَهُ يُوقَف عَلَيْهِ .““  (back)
  5. في معنى العالمين ورد في لسان العرب لإبن منظور: في التنزيل : {الحمد لله رب العالمين} قال ابن عباس: رب الجن والأنس، وقال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأزهري: الدليل على صحة ابن عباس قوله عز وجل: {تبارك الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا } وليس النبي صلعم نذيرًا للبهائم ولا للملائكة وكلهم خلق الله، وإنما بعث محمد صلعم نذيرًا للجن والإنس.  (back)
  6. ورد في تفسير الطبري للآيتين 11 و 12 من سورة الأعراف شرح استخدامات لفظ (ثم) في اللغة وفي القرآن، وهو مذكورًا في الصفحات التالية من هذا الكتاب.    (back)
  7. الآية (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء، والآية (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) التحريم.  (back)
  8. بينما قال آخرون مثل ما ورد عن السلف، إلا أن خلق آدم والتسوية والنفخ كلهم حدثوا له في الآية الأولى، وأن  ”ثم سواه ونفخ فيه من روحه“ تعود الى ذرية آدم، (وأن هذين غير التسوية والنفخ الذين حدثا لآدم)، ويحدث في الرحم عندما يكتمل كل جنين. وهذا يتعارض مع لفظ البدء الذي لا يدل على الإنتهاء، وأن الآية تخاطب المفرد في التسوية والنفخ، وتعود الهاء في ”ثم سواه“ الى الإنسان الذي ذكروا أنه آدم، وأن هذا المعنى يستدعي التدخل الإلهي في التسوية والنفخ والجعل لكل جنين يولد. ولم يرد مثل هذا المعنى في أي من آيات القرآن الأخرى، بينما دلت الآيات من سورتي ص والحجر أن النفخ حدث لآدم فقط واستدعى سجود الملائكة له، ولم يحدث النفخ من الروح لبشر آخر سوى الذي ورد في معجزة خلق عيسى. أما عن الجعل فهذا ورد في الآية بصيغة الجمع مخاطبًا كل الناس، ويحدث باستمرار في خلق كل كائن إنساني، بل وجعل السمع والبصر لكل الحيوانات والطيور والمخلوقات البحرية، مما قد يدل أن هذا الجعل كان في المراحل السابقة لخلق آدم. وفي قوله تعالى : {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة. الخطاب هنا موجه الى كل الناس، والمعنى يعود الى الخلق في الرحم، والتسوية هنا في إتمام وإكتمال خلق الإنسان في رحم أمه، سوى هنا تعبر عن اكتمال خلقه، ولم يأت ذكر نفخ الروح هنا.  (back)
  9. وسوى تدل إما على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، أو جعله يبلغ تمامه من التطور والإكتمال، أي أبلغه أشده، جاء في لسان العرب لابن منظور عن الليث: الاستواءُ فعلٌ لازمٌ من قولك سوَّيته فاستوى، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وأيضًا استوى الشيء اعتدل، واستوى الرجل : بلغ اشده، وقوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى. وفي قوله تعالى: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويا. وقيل واستوى من اعوجاج.  (back)
  10. سوى : تدل على إستقامة واعتدال بين شيئين، والسَّىّ : المثل وقولهم سيان أي مثلان، والسواء : وسط الدار وغيرها لاستوائه، وقولهم هذا سوى ذلك، أي غيرُه ، فهو من الباب، لأنه إذا كان سِواه فهما كل واحدٍ منهما في حيَّزه على سواء . والدليل على ذلك مدُّهم السواء بمعنى سِوى، قال الأعشى : ( تجانف عن جل اليمامة ناقتي        وما عدلت من أهلها لسوائكا ). وعند صاحب القاموس المحيط السواء هي العدل والوسط والغير كالسِوى بالكسر ومن الجبل ذروته ومن النهار متسعه، وسواءٌ وجوده وعدمه، واستوى أعتدل والرجل بلغ أشده أو أربعين سنة، واستوى الى السماء صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها.  (back)
  11. الصلصال هو الطين المنتن، وقال المفسرون في خلق البشر: كان أول ترابًا، أي متفرق الأجزاء، ثم بل فصار طينًا، ثم ترك حتى أنتن فصار حمأ مسنونا، أي متغيرًا، ثم يبس فصار صلصالاً، على قول الجمهور. والحمأ الطين الأسود؛ والمسنون المتغير؛ من قولهم قد أسن الماء أي تغير.   (back)
  12. ويدل لفظ جن على التستر وكل ما ستر عنك فقد جن عنك، والجِنَّةُ بالكسر طائفة من الجن، وسموا كذلك لأنهم لا يرون ومتسترون عن أعين الخلق قال تعالى { انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} . والجان أسم جمع للجن وحية أكحل العين لا تؤذى كثيرة فى الدور والجِنُّ بالكسر الملائكة . والجنة الحديقة ذات النخل والشجر، والجِنة الجنون والجنين الولد فى بطن أمه . ولفظ سم يدل على مدخل فى الشىء والسموم هى الريح الحارة لأنها تُداخل الاشياء مداخلةً بقوة.  (back)
  13. إذ وإذا حرفا توقيت; فإذ للماضي; وإذا للمستقبل; وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد: إذا جاء ”إذ“ مع مستقبل كان معناه ماضيا; نحو قوله: {وإذ يمكر بك} [الأنفال:30] {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} [الأحزاب:37] معناه مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء ”إذا“ مع الماضي كان معناه مستقبلا; كقوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة} [النازعات:34] {فإذا جاءت الصاخة} [عبس:33] و {إذا جاء نصر الله} [النصر: 1] أي يجيء. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: ”إذ“ زائدة; والتقدير: وقال ربك; واستشهد بقول الأسود بن يعفر: (فإذ وذلك لا مهاة لذكره  والدهر يعقب صالحا بفساد) وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس: وهذا خطأ; لأن ”إذ“ اسم وهي ظرف زمان  ليس مما تزاد. وقال الزجاج: هذا اجترام من أبي عبيدة; ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم; فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال; فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام; كما قال: فإن المنية من يخشها  فسوف تصادفه أينما، يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلي.  (back)
  14. أشار المفسرون أن إذ يسبقها في المعنى ” أذكروا نعمتي عليكم “.  (back)
  15. وقال مفسرون آخرون أن الجن كانت تعيش في الأرض فأفسدت وسفكت الدماء، وان الملائكة قاسوا على ذلك، واستنتجوا أن الخليفة الجديد سيكون مثلهم، فسألوا سؤالهم الذي جاء عنهم. وهذا أضعف مما سبق، فالسؤال لا يوحي أنه قائم على الظن أو الإستنباط القياسي الضعيف الذي اتبعوه، بل هو سؤال الواثق المتأكد، خاصة أنهم يسألون أو بالأحرى يتعجبون من تصرفات الله تعالى، وكيف يكون القياس صحيح، والجن الذين سكنوا الأرض وأفسدوا ليسوا مثل الناس، ولم يجعلهم الله خلفاء فيها، بل وفق سياق التفسير، أرسل عليهم ملائكة بقيادة ابليس فحاربهم حتى هربوا الى رؤوس الجبال. بالطبع كل هذا التفسير لا يصلح، لأن الله تعالى لو اراد أن يجعل الجن خلفاء في الأرض لما كان ليطردهم منها، لأنه فعال لما يريد. وعليه فلن نعير هذا التفسير أكثر مما ورد هنا.  (back)
  16. وفي قوله تعالى: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى …} ص 26 يبين ان الخليفة له سلطة الحكم بين الناس وعليه مسؤولية تحمل تبعات هذه السلطة.  (back)
  17. الآخَر‘ بمعنى غَير كقولك رجل آخر وثوب آخر، أي شيء غير‘ الأوّلِ . وفي قوله تعالى : {….. فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.  (back)
  18. يجدر القول هنا أن تقدير هذا الإختلاف في الشكل والصورة والقدرات لكل جنين، يوجد في سلسلة  DNA التي تكون موجودة في النطفة والعلقة وما تلاهما، ولا تستحدث بعد ان يكتسي العظام لحمًا  (back)
  19. في ظلال القرآن – دار الشروق – ص 2137  (back)
  20. عَلِقَ: علِق بالشيء نشب فيه. العَلَقُ: الدم الجامد الغليظ، الواحدة عَلَقةُ ، العَلَقَةُ: دودة في الماء تمص الدم.  (back)
  21. ونلاحظ أيضًا التعبير القرآني في قوله: خلقكم من تراب، ويتفق الجميع أن هذا التعبير لا يقصد به أننا خلقنا مباشرة من التراب وانما كان بدء خلقنا من التراب وانه بيننا وبين هذا الخلق أجيالا كثيرة – ولا يوجد ما يمنع أن يكون أيضًا مراحل ومخلوقات كثيرة – ودهورًا زمنية طويلة – ولا يوجد ما يمنع أن تكون بضعة آلاف من السنين، أو بليون سنة أو عدة بلايين من السنوات.  (back)
  22. {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} مريم 7-8  (back)
  23. {قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عجيبٌ} هود 72  (back)
  24. الآية {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء، والآية {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} التحريم.  (back)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*