الفصل الرابع

أحكام المضاربة

والمقصود من أحكام المضاربة هنا: هو الآثار الأصلية المترتبة على العقد شرعاً، وتختلف هذه الآثار؛ وفقاً لكون المضاربة صحيحة أو غير صحيحة.

والمضاربة الصحيحة هي التي تتوفر فيها الأركان والشروط؛ وتترتب عليها آثارها من اقتسام أرباحها وفق الشرط، وأن العامل يصبح شريكاً بنصيبه من الربح، وعدم تضمين العامل لما قد يهلك من رأس المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص86، 87): ”وأما بيان حكم المضاربة، فالمضاربة لا تخلو إما أن تكون صحيحة أو فاسدة ولكل منهما أحكام، أما أحكام الصحيحة فكثيرة بعضها يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة، وبعضها يرجع إلى عمل المضارب، ما لكل واحد منهما أن يعمله وما ليس له أن يعمله، وبعضه يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل وما يستحقه رب المال بالمال. أما الذي يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة، فهو أن رأس المال قبل أن يشتري المضارب به شياً أمانة في يده بمنزلة الوديعة لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة، فإذا اشترى به شياً صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع لأنه تصرف في مال الغير بأمره وهو معنى الوكيل … ويضيف : فإذا ظهر في المال ربح صار شريكاً فيه بقدر حصته من الربح لأنه ملك جزأ من المال المشروط بعمله، والباقي لرب المال لأنه نماء ماله. فإذا فسدت بوجه من الوجوه صار بمنزلة الأجير لرب المال؛ فإذا خالف الشرط صار بمنزلة الغاصب ويصير المال مضموناً عليه“.

أما المضاربة الغير الصحيحة فهي في رأي الأحناف: إما باطلة، وهي ما فقدت ركناً من أركانها، وإما فاسدة وهي التي تخلف فيها شرط من شروط صحتها، أو تخللها شرط مفسد للعقد. أما بقية المذاهب … فقد إعتبروا العقد فاسداً، سواء تخلف ركن من أركانه أو شرط من أشترطوه، ولم يفرقوا بين الباطل والفاسد كما فعل الأحناف.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص86): ”والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد أنه ينظر، إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن  الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة، وشرط الوضيعة عليهما شرط فاسد لأن الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا على رب المال، لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح فلا يؤثر في العقد فلا يفسد به العقد، ولأن هذا عقد تقف صحته على القبض فلا يفسده الشرط الزائد الذي لا يرجع إلى المعقود عليه كالهبة والرهن، ولأنها وكالة والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة“.

وتنقسم الشروط الفاسدة إلى ثلاثة أقسام:

–   شروط تتنافي مع مقتضى العقد، مثل بقاء المال مع صاحبه، أو إشتراط لزوم المضاربة، أو أن يوليه ما يختاره من السلع، أو ألا يعزله مدة بعينها.

–   شروط لا تلائم مقتضى العقد، مثل: الجهالة في حصص أحدهما أو كليهما من الربح، أو اشتراط قدر معين من الربح لأحدهما، أو ربح أحد السفرتين، أو يشترط جزء من الربح لأجنبي.

–   شروط يشترطها أحد المتعاقدين، وليست من مصلحة العقد: كاشتراط رب المال على العامل أن يتاجر في سلعة نادرة قد يصعب بيعها، أو أن يعطي المال بضاعة لشخص آخر، أو يشترط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة.

قد جاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر: عن كتاب الإستذكار لأبي عمر: ”قال مالك: لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح خالصاً دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شئ من الأشياء يزداد أحدهما على صاحبه، قال فإن دخل القراض شئ من ذلك … صار إجارة، ولا تصلح الإجارة إلا بشئ ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحداً ولا يتولى منها شيئاً لنفسه، فإذا وفر المال، وحصل عزل رأس المال ثم اقتسما الربح على شرطهما، فإن لم يكن للمال ربح أو دخلته وضيعة لم يلحق العامل من ذلك شئ إلا ممن أنفق على نفسه ولا من الوضيعة، وذلك على رب المال من ماله. والقراض جائز على ما تراضى عليه رب المال من نصف الربح أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر (ص 75)“.

وقد اختلف الفقهاء في الشروط التي تفسد أو يفسد تخلفها المضاربة؛ وفقاً لما رأوا من جواز أو عدم جواز هذه الشروط، فمن لم يجز شرطاً عد المضاربة فاسدة عند إشتراطه مثل إشتراط الأجل … فإن هذا الشرط يكون مفسداً للمضاربة عند الشافعية والمالكية، وغير مفسد لها عند الحنفية وبعض الحنابلة.

فإن فسدت المضاربة لما سبق، ودون تعد من جهة العامل فالرأي الغالب أن يصبح العامل فيها أجيراً، ويستحق أجر المثل عن عمله، ويكون المال والربح كله لرب المال وفي رأي المالكية … يكون للعامل قراض المثل في بعض حالات فساد المضاربة.

جاء في المبسوط (جزء 22 ص 22): ”المضاربة الصحيحة تنعقد شركة لا إجارة، والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة فإنما تعتبر بالإجارة الصحيحة في استحقاق الأجر عند إيفاء العمل، ولو تلف المال في يده فله أجر مثله فيما عمل ولا ضمان عليه“.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 437): ”وإذا فسد القراض لفوات شرط نفذت التصرفات، وكان الربح بأجمعه للمالك وعليه للعامل أجرة المثل“.

ولو تعدى العامل، أو لو تعمد العامل إفساد المضاربة بمخالفته قيدا من قيودها، بأن يخالف شرطاً اشترطه رب المال في العقد، وكان من الشروط الصحيحة التي يحق لرب المال إشتراطه في العقد … يكون العامل غاصباً، ويضمن رأس المال وتكون الوضيعة عليه من ماله.

<< previous page next page >>