الفصل الثالث – الإشتراط في المضاربة

والإشتراط قصد به الشروط التى قد يضعها صاحب رأس المال على صاحب العمل، والأساس فى المضاربة – وفقاً لمذهب الإمام مالك ومذهب الإمام الشافعي – أن تكون مطلقة، فلا يقيد رب المال العامل بشروط تمنعه من الاتجار فى بلد معين، أو تحدد له وقتاً معيناً، أو يشترط عليه ألا يتاجر إلا فى سلعة معينة، أو مع جهة معينة ونحو ذلك من الشروط، وعلة ذلك أن إشتراط التقييد يفسد العقد لما فيه من التحجير الخارج عن سنة القراض؛ لأنه يحد من قدرة العامل – وهو صاحب الخبرة – على تحقيق الربح، فلا يتحقق المقصود من عقد المضاربة.

أما الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد … فلم يشترطا أن تكون المضاربة مطلقة؛ فقالا إن المضاربة كما تصح مطلقة … فإنها تجوز مقيدة. وفى حالة التقييد … لا يجوز للعامل أن يتجاوز الشروط التى اشترطها رب المال؛ فإن تعداها خالف وضمن رأس المال.

روى عن حكيم بن حزام رضى الله عنه: أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به، أن لا يجعل مالى فى كبد رطبة، ولا يحمله فى بحر، ولا ينزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من هذا ضمنت مالى. وقيل رفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه. كذلك روي عن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه بمثل هذا.

وهذه الشروط التى سردت فيما روي عن حكيم بن حزام، شروط تحدد درجة المخاطرة التى يود تعريض ماله لها، وكل استثمار معرض للمخاطرة، ولكن يمكن لصاحب المال تحديد درجة هذه المخاطرة وهذا ما يحدث فى عقودنا المعاصرة.

وعلى هذا … فإن المضاربة قد تكون مطلقة أو مقيدة، والمضاربة المطلقة هي التي يدفع بها المقارض ماله إلى العامل، ويقول له: اعمل برأيك، أو فوضتك هذا المال لتعمل فيه مضاربة، على أن يكون الربح بيننا كذا وكذا. فلا يضع رب المال قيوداً أو شروطاً على العامل، وتكون تفويضاً كاملاً مفتوحاً، يعطي العامل الحق في التصرف في كل الأمور التي تتطلبها أعمال المضاربة فيما جرت به العادة.

أما المضاربة المقيدة، والتي أجازها الأحناف والحنابلة … فهي التي يجوز فيها أن يشترط رب المال على المضارب ما يرى فيه المصلحة، كالمكان والزمان والجهة التي يتعامل معها، ونوع التجارة والسلع التي يتاجر بها، على ألا تكون هذه السلع نادرة أو معدومة من الأسواق.

ولا يجوز – في كل الأحوال – أن يشترط رب المال شرطاً قد يتنافى مع مقتضى العقد، مثل ما قد يحول بين المضارب والتصرف الذي يتطلبه العمل التجاري المعتاد، أو ما قد يؤدي إلى إلزام العامل بشئ من خسارة رأس المال، أو يؤدي إلى عدم التخلية، أو غيرها من الشروط التي تفسد العقد أو تضر بالمقصود منه. أما التقييد بغير المفيد … فلا يثبت ويلغي؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا يتقيد به العامل.

ويجوز لرب المال أن يشترط على المضارب قبل أن يبدأ العمل وقبل أن يصبح المال عروضاً، فإن تصرف بالمال لا يملك إبطال حقه في التصرف كمنعه من البيع، الذي منه ربحه. جاء في المبسوط (جزء 22 ص 68): ”فإن حق المضارب يثبت بالتصرف حين يصير المال عرضاً لأن ربحه لا يظهر إلا بالتصرف ورب المال لا يملك إبطال حقه“.

1- أجل المضاربة:

ليس من شروط المضاربة بيان مدتها، أما لو رغب رب المال تحديد أجل أو مدة للمضاربة، ففي رأي المالكية والشافعية والظاهرية وأحمد أن تحديد أجل للمضاربة يفسد العقد، بينما رأى الحنفية – وفي الرأي الأظهر عند الحنابلة – جواز ذلك، وذهب الإمامية إلى صحة العقد وبطلان الشرط. وتنتهي المضاربة عند القسمة، وهذه تكون عند نضوض المال؛ أي رجوعه إلى نوعه الأصلي من ذهب أو فضة أو نقد رائج فيعاد إلى ربه، ويقتسمان الربح وفق الشرط.

وللشافعية رأي في توقيت المضاربة، فهي لا تصح إن حدد رب المال مدة ينتهي القراض بانتهائها، وتصح إن حدد رب المال مدة ينتهي الشراء بانتهائها؛ أي إنهم أطلقوا مدة البيع الذي منه الإسترباح، والذي إن قيد بوقت يكون منافياً لمقصود العقد، ولأن رب المال له حق منع العامل من الشراء متى أراد ذلك بخلاف المنع من البيع فإن فيه ضرراً على العامل (اسنى المطالب جزء 2 ص 283).

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 122): ”وإن قال : على أن لا تشتري بعد السنة ولك البيع، صح على الأصح لأن المالك يتمكن من منعه من الشراء متى شاء بخلاف البيع“.

2 – تقييد العامل بالإتجار بسلعة معينة، أو مع جهة معينة، أو بمكان معين:

ورأى المالكية والشافعية أن تقييد العامل بالإتجار بسلعة معينة، أو بالتعامل أو بعدم التعامل مع جهة معينة يفسد العقد، بينما رأى الحنفية والحنابلة والإمامية خلاف ذلك. أما التقييد الذي فيه تضييقاً على المضارب كاشتراط رب المال أن يتاجر في ما يندر وجوده كالياقوت الأحمر والخيل البلق، وكل ما يصعب الحصول عليه؛ فالغالب أن اجتماع الرأي على أن هذا ينافي المقصود من عقد المضاربة.

واتفق جمهور الفقهاء على أن لرب المال حق تعيين مكان أعمال المضاربة، وعلى صحة إشتراط رب المال على العامل المتاجرة في بلد معين، وأن من حقه أن ينهاه عن السفر بالمال، وإن سمح له بالسفر إلى جهة معينة … فليس للعامل أن يسافر لغيرها.

ولو خالف المضارب ما إتفق عليه، فتلف شيء من المال، كان غاصباً، وضمن لمخالفته الشرط.

3- اشتراط رب المال على العامل ضمان مال المضاربة:

لا يجوز لرب المال أن يشترط على العامل ضمان ماله؛ فإذا اشترط ذلك في العقد … كانت المضاربة فاسدة، وقالت المالكية للعامل قَراض المثل إذا عمل، والشرط باطل ولا ضمان عليه.

وكذلك يرى الحنفية والشافعية والإمامية والزيدية بفساد الشرط، وبعضهم أفسد المضاربة. وقال الحنابلة إن العقد صحيح والشرط باطل، كما جاء عندهم في مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 522): ”متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة، فالشرط باطل والعقد صحيح، لأنه شرط لا يؤثر في جهالة الربح، فلم يفسد به العقد“.

وجاء في بدائع الصنائع (جزء 5 ص 80): ”وروى بشر عن أبى يوسف فى رجل دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة، ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف لأنه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعنى المضاربة، وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة علىّ وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال، لأن شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقى المضاربة“.

4- نفقة العامل:

أ- ذهب جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة – إلى أن المضارب لا يستحق شيئاً من النفقة عند عمله في المصر الذي تم فيه إبرام عقد المضاربة، سواء كان المصر المذكور وطناً للمضارب أم دار سفر؛ حيث إن إقامته في ذلك المصر لم تكن من أجل المضاربة، لأنه كان مقيماً قبل ذلك، فلا يستحق النفقة مالم يخرج من ذلك المصر ولا فرق بين ان يكون خروجه بالمال مدة سفر أو أقل من ذلك، حتى لو خرج من المصر يوماً أو يومين فله أن ينفق من مال المضاربة، فإذا انتهى إلى بلد آخر … فإن كان له فيه أهل سقطت نفقته بدخوله البلد. (البدائع جزء 6 ص 106، مفتاح  الكرامة جزء 7 ص 476، البحر الزخار جزء 4 ص 88).

وقال الإمام مالك: ”وجه القراض المعروف الجائز، أن يأخذ الرجل المال من صاحبه على أن يعمل فيه ولا ضمان عليه، ونفقة العامل في المال في سفره من طعامه وكسوته وما يصلحه بالمعروف، فإن كان مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة“.

وجاء أيضاً في الفقه المالكي في المدوّنة (جزء 4 ص 49): ”إنما يأكل العامل من مال القراض إذا شخص في المال من بلده، وليس حين يشتري ويتجهز في بلده، ولكن حين يخرج إذا توجه، وقال: للعامل إذا سافر النفقة ذاهباً وراجعاً وإن لم يشتر عند مالك، وله أن يرد ما بقى بعد النفقة إلى صاحبه“.

وقال الأحناف والزيدية بمثل هذا؛ فقد أجازوا للعامل أن ينفق من مال المضاربة على نفسه بالمعروف حال سفره. جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”الربح في باب المضاربة يحتمل الوجود والعدم، والعامل لا يسافر بمال غيره لفائدة تحتمل الوجود والعدم، مع تعجيل النفقة من مال نفسه، فلو لم يعجل بنفقته من مال المضاربة، لامتنع الناس من قبول المضاربات مع مساس الحاجة إليها“.

وجاء في المبسوط (جزء 22 ص62): ”وإذا دفع الرجل إلى رجل مالاً مضاربة بالنصف، فعمل به في مصره أو في أهله فلا نفقة له في مال المضاربة ولا على رب المال. لأن القياس أن لا يستحق المضارب النفقة في مال المضاربة بحال، فإنه بمنزله الوكيل أو المستبضع عامل لغيره بأمره، أو بمنزلة الأجير لما شرط لنفسه من بعض الربح، وواحد من هؤلاء لا يستحق النفقة في المال الذي يعمل فيه، إلا أنا تركنا القياس فيما إذا سافر بالمال لأجل الصرف فبقي ما قبل السفر على أصل القياس، وهذا لأن مقامه في مصره أو في أهله لكونه متوطناً فيه لا لأجل مال المضاربة. ألا ترى أنه قبل عقد المضاربة كان متوطناً في هذا الموضع وكانت نفقته في مال نفسه، فكذلك بعد المضاربة، فاما إذا خرج بالمال إلى مصر يتجر فيه كانت نفقته في مال المضاربة“.

وقال الشافعية في أظهر القولين عندهم بعدم جواز أن ينفق العامل على نفسه من مال المضاربة: لأن له نصيباً من الربح فلا يستحق شيئاً آخر، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى إنفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال وهو ينافي مقتضاه. وأضافوا بأنه لو اشترط المضارب النفقة لنفسه في العقد لفسد. (الخطيب الشربيني جزء 2 ص 317، وراجع المهذب جزء 1 ص387). وللشافعية رأي آخر، أجازوا فيه للمضارب أن ينفق على نفسه أثناء سفره. (الرملي في نهاية المحتاج جزء 5 ص 223).

وأجاز الحنابلة أن يستحق العامل نفقته لو اشترط العامل ذلك ووافق رب المال راضياً، فقال الحنابلة: ”وإذا اشتراط المضارب نفقة نفسه صح، سواء كان في الحضر أو السفر. وقالوا: أن التجارة في الحضر إحدى حالتي المضاربة، فصح اشتراط النفقة فيها كالسفر، ولأن النفقة في مقابلة عمله فصح“ (المغني جزء 5 ص 50).

فإن عقد المضاربة، ولم ينص فيها على نفقة للمضارب فلا نفقة له، جاء في الإنصاف في الفقه الحنبلي (جزء 2 ص 440): ”وليس للمضارب نفقة إلا بشرط. ثم ذكر إن كان المعتاد أن ينفق المضارب على نفسه من مال المضاربة عند سفره من أجل المضاربة فله النفقة في هذه الحالة“.

وجاء في مطالب أولى النهى للرحيباني الحنبلي (جزء 3 ص 528): ”ولا نفقة لعامل من مال المضاربة ولو مع السفر به، لأنه دخل على العمل بجزء فلا يستحق غيره، ولو استحقه لأفضى إلى اختصاصه بالربح إذا لم يربح غيرها، إلا بشرط كوكيل“.

أما الظاهرية فقد ذهبوا إلى عدم جواز أن تكون نفقة العامل من مال المضاربة، جاء في المحلى لابن حزم (جزء 8 ص 248): ”لا يحل للعامل أن يأكل من المال شيئاً ولا أن يلبس منه شيئاً لا في سفر ولا في حضر … ولا يجوز اشتراطه؛ فإن لم يشترط فهو أكل مال بالباطل، ثم أيضاً يعود المال إلى الجهالة؛ فلا يدري ما يخرج منه ولا ما يبقى وقليل الحرام حرام ولو أنه مقدار ذرة؛ وكثير الحلال حلال ولو أنه الدنيا وما فيها، فإن قالوا هو ساع في مصلحة المال قلنا نعم … فكان ماذا؟ وإنما هو ساع لربح يرجوه فإنما يسعى في حظ نفسه“.

وعليه … فالرأي عند الجمهور هو أن العامل المقيم تكون نفقته من ماله مادام مقيماً، أما في حالة السفر … فالرأي أن تكون نفقة العامل من مال المضاربة أو من ربحها، لأنه لم يسافر إلا من أجلها، وخالف الظاهرية والشافعية في أظهر القول عندهم فقالوا تكون من مال المضارب في السفر والحضر.

ب- والمقصود من النفقة في المضاربة هي كل ما يحتاجه المضارب من : طعام وشراب وكسوة، وأجرة المنزل، وأجرة الحمام، وغسل ملابسه، ومؤن العامل، وخادمه في السفر، وعلف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها في حوائجه، ودهن السراج والحطب، وما شابه ذلك مما يعتاد الإنسان صرفه على نفسه في الأحوال الاعتيادية، أما مصاريف الحالات الطارئة مثل مصاريف العلاج والطبيب في حالة المرض … فمن مال المضارب.

جـ- أما هل تكون النفقة من رأس المال، أو من الربح؟ فقد ذهب الأحناف والزيدية والإمامية – في قول عندهم – إلى أن النفقة تحتسب من الربح أولاً؛ فإن لم يكن ثمة ربح تحتسب من رأس المال، وقال الأحناف معللين ذلك : لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل أن الهلاك ينصرف إلى الربح، ولأنا لو جعلناها من رأس المال خاصة أو في نصيب رب المال من الربح، لإزداد نصيب المضارب في الربح على نصيب رب المال.

وقال المالكية إن النفقة تكون من رأس المال؛ إذ جاء في المدونة (جزء 4 ص 50): ”وقال مالك : إذا كان المال كثيراً فإنما يكون طعام العامل وكسوته ونفقته من المال في غير سرف إذا كان المال يحمل ذلك، ولا يحسب في ربح العامل“.

وجاء عند الإمامية في قواعد العلامة (جزء 7 ص 476) : ”ونفقته في الحضر على نفسه وفي السفر من أصل مال القراض“.

<< previous page next page >>