الفصل السادس

الفائـدة الربويــة

 

يحاول البعض التفريق بين الفائدة المتعامل بها فى البنوك التقليدية والربا، فالربا عندهم هو القرض الاستغلالي، أما الفائدة التى ينتفي فيها عنصر الاستغلال ويتوافر فيها تراضي الأطراف فهذه خارج نطاق الربا. وهذه المحاولات نابعة عن ظنهم، وقد نشئوا فى هذا النظام الاقتصادي القائم عليها أن المعاملات لا تصلح دونها، ولصعوبة تخيله دونها؛ فقد أصبحت من البديهيات المسلم بصحتها، وهى ليست كذلك.

وحيث إن الشارع لم يبين علة تحريم الربا، والعلة هى ما يدور معها الحكم الشرعى وجوداً وعدماً، يبقى النص الشرعى بالتحريم قائماً بغض النظر عن الظروف والأسباب، فلا يرتبط التحريم باستغلال أو غيره؛ فقد نزلت آيات التحريم والناس يتعاملون بالربا عن رضى فأبطلت الشرط الربوى أى كانت الأسباب التى نشأ عنها. وحكمة تحريم الربا كما ذكر الإمام الرازى أنه يقتضى؛ أخذ مال الإنسان من غير عوض. والحكمة هى مقصد الشارع من الحكم الشرعى. وعلى هذا .. فإن كل زيادة لا يقابلها عوض تكون محرمة لأنها تدخل فى باب أكل أموال الناس بالباطل.

وإذا بحثنا الزيادة الناتجة عن فائدة ربوية تضاف إلى دين، والدين والزيادة مضمونان؛ فهذا كسب والكسب الشرعى فى الإسلام يُتحصل عليه إما بالمال أو بالضمان أو بالعمل، والمقصود بالمال والضمان هو أن الخراج بالضمان؛ أى إن المالك له نماء ماله لقاء تحمله إحتمال خسارة بعضه أو هلاكه، والعمل هو بيع منفعة بمال؛ ولو شارك بقيمة العمل – وهى مال – كما هو في عقد المضاربة، استحق الكسب لقاء قبوله بتحمل خسارة قيمة العمل. أى إن – ما يمكن أن نسميه – المخاطرة المحتملة؛ أما القول أن الدائن يتحمل مخاطرة أن لا يستطيع المدين أن يسدد الدين، وبتحمله هذه المخاطرة يستحق الزيادة، ففي هذا خطأ وتلاعب بالمعاني.

فالقرض في الشرع ليس من المعاملات التى يقصد منها الكسب، وإنما هى نوع من أنواع الصدقة، ومن أعمال الخيروالتعاون بين الناس وله أجر وعوض عند الله. أما الدين إلى أجل مسمى قد يكون مساعدة أيضاً أو قد ينتج عن معاملة تجارية أو عقد، وقد يكون مكتوباً أو يكون لقاء رهن؛ أى إن مسئولية المال وضمانه على المدين. ومن أمثلة هذا الدين الثمن الناتج عن البيع المؤجل فيه الثمن وغيره.

لو نظرنا الى التبريرات التي يحاول البعض تقديمها لبيان أن الفائدة البنكية ليست ربا، نجد أنها ليست صحيحة وتنافي الفكر السليم.

الفائدة لقاء المخاطرة:

فإذا قيل أن الدائن يتحمل مخاطرة أن لا يستطيع المدين رد الدين، ولهذا فيصح له أخذ الزيادة؛ لأن هذه الزيادة لقاء هذه المخاطرة، ففى هذا غرر، فالمخاطرة مجهولة وعوضها معلوم هو الزيادة، ولا يجوز أن يجهل أحد العوضين فى معاوضة، لأن الزيادة عوض مخاطرة مجهولة الكم تتراوح بين الوجود والعدم؛ فإن حدثت فلها كم وليس بالضرورة مساوياً للعوض وهو الزيادة المتفق عليها.

وهى إن حدثت .. فإن الزيادة والنقص فى الأصل لن يتمكن المدين من سدادهما، ولا يصح للدائن المطالبة بهما لأنه قبل بالمخاطرة باحتمال عدم قدرة المدين على السداد، وبقبوله هذا، وقد حدث لا يصح له المطالبة؛ إذ ليس من المنطق السليم وقد اشترط الزيادة لقاء احتمال الخسارة أن لا يرضى بها إن حدثت؛ وهو قد ظن احتمال حدوثها، وإلا فلماذا طلب الزيادة.

فإن لم يحدث تقصير فى السداد يدفع المدين الزيادة التى كانت لقاء احتمال عدم قدرته على السداد، وهو قد سدد فانتفى الاحتمال وانتفت بالتالى أسباب الزيادة فإن دفعها يكون قد دفعها دون عوض، وهذا ربا.

والحقيقة أن اشتراط زيادة هى عوض مخاطرة باحتمال عدم سداد المدين أصل مال الدين؛ والذى لو حدث فلن يتم تسديد هذه الزيادة أصلاً، وإن لم يحدث لم تستحق، هو شرط لا معنى له، والشرط الذى يناقض مقتضاه ويستحيل تنفيذه لغو ولا يعمل به ولا يقبله المنطق السليم.

وهذا يختلف عن المخاطرة المقصودة فى الاقتصاد الإسلامي وهى المخاطرة التى يتعرض لها مال مستثمر بهدف العائد؛ الذى يحتمل أن تكون له قيمة موجبة ويحتمل أن تكون له قيمة سالبة؛ والاخيرة يعبر عنها بالخسارة لأنها تنقص رأس المال، فالربح هنا حلال لقاء قبوله باحتمال الخسارة إن حدثت، وكلاهما مجهولان وقت مباشرة الاستثمار، ويعودان إلى أو على مالك واحد؛ فإن كان ربح فله وإن كانت خسارة فعلية؛ أى إن العائد الموجب وهو الربح يكون لقاء مخاطرة حقيقية فلا يمكن أن يجتمع الربح والخساره فى معاملة واحدة فهما صفتين لشيء واحد هو عائد الاستثمار؛ الذي يكون ربحاً إذا كان العائد موجباً وخسارة إذا كان العائد سالباً. والمعاملات إما معاوضات ويشترط فيها تساوي العوض والمعوض، او مقابلات فيشتركان في الربح والخسارة، أما الربح أو الخسارة فلا يعرف أو تعرف إلا من خلال دورة شراء ثم بيع، وهذان معاملتان لا معامله واحد؛ بينما الدين الربوي معامله واحدة يجتمع فيها ربح احدهما وخسارة الثانى دون بيع أو مشاركة.

والمخاطرة لا تباع وتشترى وإنما هي طبيعه معامله، المقصود منها أن نتيجة هذا الاستثمار قد يكون ربح او خسارة، أي أن الربح ليس ثمن المخاطرة ولكنه ناتج الاستثمار الفعلي، ولو كان ثمة ثمن موجب للمخاطرة لكان كل استثمار رابح (كما هو الحال في القروض الربوية، المقرض دائمًا رابح)؛ الربح الحلال هو ما ينتج عن العمل في المال ويتولد من العمل والمال، وعلى هذا الأساس صحت المضاربة وهي إذا دفع المستثمر ماله إلي من يعمل فيه فإن ربَح المال فله بعض الربح وعليه كل الخسارة، وبعض الربح للمضارب نظير عمله الذى لا أجر له عليه؛ فإن لم يكن ثمة ربح فلا شئ للمضارب والمال لصاحبه، لأن عمل المضارب يقاس  بمعيار نماء المال؛ فإن لم ينم المال بالعمل.. فلا قيمة للعمل.

وقد قلنا إن المخاطرة المحتملة في استثمار مال تبيح الكسب لصاحبه، وهذا الفرض في حد ذاته ليس صحيحاً بمعيار مبادئ الاقتصاد الإسلامي الإ إذا اضفنا: تبيح الكسب لصحابه إذا كان هذا الكسب شرعياً ومتولداً عن نماء مال او عمل، وإذا قصد بالمخاطرة تحمل صاحب المال مسئولية غرم هذا الاستثمار في حالة الخسارة فقط، والخسارة هي هلاك بعض او كل المال المستثمر وفق الحدود الشرعية، وكل صاحب مال يتحمل وحده مسئوليه ماله المعرض للخسارة أو الهلاك – فهذا من طبيعة الاموال- وان لم يدفع به في مجالات الاستثمار؛ ولهذا كان نماء المال وخراجه وغلته لصاحبه ان كان مما له غلة ونماء وخراج.

أما النقود فليس لها نماء طبيعي – وليست معرضة للهلاك (عدا تعرضها للسرقة او الغصب) كغيرها من العروض كالطعام والحيوان والبيوت اذا لم يتصرف بها بيعاً أو شراء – وانما تنقص بالزكاة إذا كُنزت وعُطّلت، ولهذا حث الأسلام علي استثمارها واستثمار غيرها كما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”ثمروا أموالكم فان الزكاة تكاد تأكلها“ فاذا اقرضها فإن من إقترضها يصبح ضامناً لها ومزكياً فيها من ماله، وفي الحالات التي قد يعجز المدين عن السداد فانه يظل مديناً لصاحبه حتي يوفيه دينه، فإن عجز فإن في أموال الزكاة باب للصرف علي الغارمين، فان لم يك في أموال الزكاة وبلغ المدين أجله قضي دينه من بيت المال فان لم يك تطوع أهله واصحابه، أو عفا الدائن ومن عفا عن معسر فله أجره عند الله.

الخراج بالضمان والغنم بالغرم: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”الخراج بالضمان“ وقال صلى الله عليه وسلم: ”الغلة بالضمان“ أي إن المنفعة والنماء لمن يملك، و معني الملك هنا هو من يخسر اذا هلك المال. فان كانت المال مملوكاً من رجل فاقرضه أو أسلفه أو داينه- وهي عقود تمليك- الي آخر فقد ملّكه هذا المال الي أجل أو الي أن يرده، فإن هلك المال عند المقترض فعليه أداء مثله ولهذا فالخراج له، أما الوديعة والأمانة والرهن فهؤلاء لا يفارقون ملك صاحبهم ولهذا إن هلك المال المودع أو المرهون فالخسارة علي صاحبه لا علي الأمين الا اذا تعدي، فإن تعدي ضمن فله غنم المال وعليه غرمه لأنه يكون انذاك قد ملكه بالضمان (ويتعدي الأمين إذا تاجر بالمال المودع لديه لإنه تصرف في مال غيره دون أذنه فيضمنه).

والرهن أمانة في يد المرتهن ولا يضمن الا بالتعدى، ولا ينتفع به المرتهن الا اذا كان مما له نفقة فينتفع به نظير نفقته فتكون المنفعة عوض النفقة، قال الرسول صلعم ”الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلي الذي يركب ويشرب النفقة“ وهذا مذهب أحمد واسحاق وخالفهم الجمهور لإحتمال عدم تساوي النفقة والمنفعة، وقالوا مؤونة الرهن وأجرة حفظه على مالكه وله منافعه ونماؤه، والمقصود تساوى العوضين فان اتفقا وتراضا أجر المؤونة والنفقة لقاء المنفعة جاز، وإن شاءا أن تكون النفقة على الراهن وله أجرة المنفعة صح، فإن لم يكن له مال كان ديناً عليه وكان ثمن المنفعة قضاء لهذا الدين أو لبعضه، ولا يصعب الحساب في هذا الأمر والمرتهن أمين لأن الرهن أمانة، والنماء في الحالتين للراهن، قال الرسول صلعم ”لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه“, ولو هلك المرهون في يد المرتهن من غير تعد فالغرم علي الراهن، والدين علي حاله، واذا حل أجل الدين وعجز الراهن عن السداد تباع العين المرهونة ويضاف خراجها مدة الرهن وتخصم نفقتها، فيسدد الدين من المال وما فضل لصاحبها وان نقص مال فعليه.

أما ما يعبر عنه الفقهاء بقاعدة الغنم بالغرم، فلا تعني هذه القاعدة – فى مجال الاقتصاد الاسلامي – جواز أن يكون عوض المخاطرة مالاً، فلا يوجد أى استدلال منطقى قد يوصلنا الي هذه النتيجه فليس هذا ما تدل عليه الأحاديث الشريفة التي سبق ذكرها، والتي قد تكون من المصادر التي استنبطت منها هذه القاعدة، وهي – أي الاحاديث – لا تعني اكثر من أن نماء المال – لمالكه – سواء كان مالكاً أو ضامناً أو متصرفاً بعقد تمليك حال أو الى أجل، وأن نقصانه عليه، ويخروج المال الي مجال الاستثمار بغرض الانماء قد يتعرض للخسارة و بهذا قد نقول مجازاً إنه يخاطر بالمال، وهذا بالطبع لم يك قصده فهو استثمر بقصد الربح لا المخاطرة، والربح يولد عن المال والعمل ولا يولد عن المخاطرة فهي وصف لحالة و ليست من المسببات. والغنم وهو الكسب والفوز يقابله الغرم والمقصود بالغرم هنا تحمل المسئولية وبذل الجهد، وهذان يمكن الجمع بينهما، أما الفوز لقاء المخاطرة باحتمال حدوث الخسارة أى الفوز بالخسارة فهذان لا يجتمعان. والمعنى الذى يحلل المكسب لقاء المخاطرة وحدها ينفيه كلية تحريم القرآن للميسر وتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الغرر، وكلاهما قد يؤدى إلى كسب لقاء مخاطرة فيفوز أحدهما من خسارة الثانى دون عوض وهذا حرام.

والغنم المسموح به هو غنم رب المال نماء ماله لقاء تحمله مسئولية أو ضمانه هذا المال، وهذه معاملة فى مال واحد بعينه ولربه ولا يدخل فيها طرف آخر يأكل أحدهما من مال الآخر دون عوض، والدين المضمون ينفصل غنمه وغرمه عن صاحبه فيكون حكمه حكم المال المملوك للمدين بتحمله مسئولية رده أى بضمانه، فإن أعطى المالك المال مضاربة إلى من ينميه له ينفصل فى هذه المعاملة عائد أو نماء المال عن نماء العمل، ويعود عائد كل أصل إلى صاحبه، ويكون عائد العمل لقاء العمل والفكر والجهد المبذول.

ولهذا فمفهوم لفظ المخاطرة التى تحلل الكسب – عندما يرد فى هذا البحث – يقصد به مخاطرة المستثمر – فقط – أى قبوله المسئولية والتبعات التى قد تنتج عن دفع ماله أو عمله – وهو مال – فى استثمار مشروع لقصد انماءه، فإن لم ينم المال وأصابته وضيعه فعليه وحده هذه الخسارة. ولا يعنى أبداً استحقاق الكسب كعوض للمخاطرة أو لقاء المخاطرة بماله، فهذه ليست من المال ليُبادل مال بها، ولا ثمن لها، وإنما يعرف الكسب أو الخسارة عند انتهاء الاستثمار وعودة المال إلى نوعه الأصلى. والكسب إذا تحقق لا ينتج أو يتولد عن المخاطرة وإنما يتولد عن الأصلين المال والعمل.

أما ما يحدث فى الديون – فى أرض الواقع – فهو أن الدائن يأخذ الضمانات الكافية لاسترداد الدين وبهذا يكون قد ضمن له ماله فانفصل عنه، ويكون للمدين الذى ضمن غنمه وعليه غرمه، أما فى حالات عجز المدين عن السداد مع عدم كفاية الضمانات والرهون وهى نادرة، فإن الدائن يأخذ من أكثر من مدين هذه الزيادة، فيغطى من زيادة بعضهم خسارة أحدهم، وفى هذا غرر لأنه يأخذ مالاً من بعض الناس لتعويض خسارة فى معاملة أخرى لم يكن لهم فيها مصلحة أو ضمان يشتركوا به فى كسبها ليتحملوا خسارتها، وفى هذا أكل أموال الناس بالباطل.

 الفائدة لقاء التنازل عن حق الانتفاع:

وقد يقال أيضاً إن الزيادة هى ثمن حق الإنتفاع الذى تخلى صاحبه عنه خلال مدة القرض، والمال لا ينتفع به إلا بصرفه أي بهلاكه، أى لا نفع منه إذا ظل فى يد صاحبه وليس من صفاته النماء الطبيعى كالشجر والحيوان فهو إن بقى فى يد صاحبه ولم يستثمر لن يزيد. وحق الإنتفاع الذى يملكه صاحبه هو إما حق مبادلته فيهلك النوع الذى بادله بغيره أو حق الاستثمار وهذا لا يعرف نتيجته سالبة تكون أو موجبة، ولا يجوز بيع المعدوم غير المعروف هل سيوجد أم لا لعدم جواز بيع الغرر. ولهذا فإن هذا الانتفاع مجهول لا تعرف نتيجته وبالتالى لا يجوز تقييمه وقت العقد لما يكتنفه من غرر.

الفائدة ثمن منفعة النقود:

وقد يقال إنه يبيع منفعة المال أى يؤجر المال، ولا يجوز تأجير ما يستهلك أصله عند الإنتفاع به كالطعام، أو ما لا نفع له مع بقاء أصله كالنقود – وإنما عقد الإجارة هو بيع منفعة معلومة – وإن كانت معدومة وقت العقد إلا أنه يغلب الظن بحدوثها – لقاء ثمن معلوم مع بقاء الأصل، مثل إجارة الدار والدابة والآلة والسيارة وغيرهم مما يؤجر أو تباع منافعه مدة معينة مع بقاء أصله – أى إن الإجارة هى عقد على منفعة العين مع بقاء العين على حالها دون تبدل أو تحول من صورة إلى أخرى، ولا يُستحق الأجر إلا بتحقق المنفعة واستيفائها، فإن لم تتحقق المنفعة لطالبها لم تجب الأجرة. والنقود لا منفعة لها إلا بصرفها. فإن أجرت وجب على المؤجر أن يضمن تحقق منفعتها لقاء الأجر وعليه وحده ضمان أصل العين المؤجرة، والأجر يجب أن يكون مساوياً للمنفعة لأن الإجارة من عقود المعاوضات التى يشترط فيها تساوي العوض والمعوض، ولهذا فالدين ليس من باب الإجارة في شيء لعدم جواز تأجير ما لا منفعة له مع بقاء أصله على حاله، وأن ساوى الأجر المنفعة فله ربحه وعليه خسارته.

فماذا إذا افترضنا مبادلة هذا المال النقد مع مال له منفعة كعقار أو آلة، ثم بعنا منفعة الدار إلى من يستأجر الدار لمدة عام مثلاً، ثمن هذه المنفعة فى العام هو أجر الدار أى ثمن منفعة الدار، وفى نهاية مدة الاجارة تعود الدار إلى صاحبها فيبيعها لقاء نقد، فإن فرضنا أنه باعها بنفس ما اشتراها به فقد انتفع بالمال بقيمة الأجرة. وهذه حلال لأنه ملك الدار ومنافعها وضمنها، فأصبح الخراج بالضمان، ولم يضمن أحد له ثمن الدار، وكان من الممكن أن يبيع الدار في نهاية السنة بأقل مما اشتراها به فيتحمل وحده مسؤولية استثماره هذا وينقض ماله، والحقيقة أن هذه المعاملة هى معاملة شراء دار شاملة منفعتها، ثم بيع جزء من المنفعة وحدها فى عقد اجارة وبيع الدار شاملة ما تبقى من منفعتها فى عقد بيع عند انتهاء العقد الأول، وهذا شراء وبيع وينطبق عليه قوله سبحانه وتعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) ولم يضمن له أحد ماله ولم يأكل مال أحد دون عوض، وإنما باع ما اشتراه فى بيعتين عن تراض كان يحتمل فيهما الكسب أو الخسارة، أما القياس عليه فلا يصح لأن الدين مضمون والزيادة مضمونة.

الفائدة ربح المال المحدد مقدماً:

وقد يقال إن الفائدة هى ربح المال المحدد مقدماً لأن البنك وكيل المودع يستثمره له ، ويحدد الخبراء في البنك الأرباح مقدمًاً وفق دراسة الأسواق العالمية والمحلية وغيرها من العوامل المؤثرة على نتائج الأستثمار فيُعرف الربح قبل حدوثه، فإن خسر البنك ورفع البنك أمره إلى الهيئات القضائية تحكم ان كانت خسارة البنك لأسباب خارجة عن إرادته فيتحمل صاحب المال الخسارة؛ وإن كانت الخسارة ناتجة عن إهمال أو سرقة أو إنحراف فليس على صاحب المال شيئاً من الخسارة. وهذا الرأي يعتمد على فكرة أن البنك الربوي قد قدر نسبة الربح ولا يفترض فيه أنه قد ضمن المال وربحه ولا أظن أن قائله قد قصد هذا وإن كانت الأدلة المنطقية تشير إليه لأن البنك هو من يضطر إلى الإلتجاء إلى القضاء في حالة الخسارة، وهذا عكس ما قد يحدث إن كان العقد عقد وكالة كما أفترض، فمن يعطي ماله بناء على وكالة كالمضاربة فإن خسر المضارب، فالطبيعي أن الوضيعة على رب المال، فإذا شك في صحة قول المضارب عليه الألتجاء إلى السلطات، فما يدعو بنك وُكل في مال مقاضاة صاحبه إلا في حالة عدم تمنكه من إنقاص المال بقدر ما أصابه من وضيعة، ولا يحدث هذا إلا إذا كان قد ضمن له المال؛ فإن كان فلا تجوز لصاحبه الزيادة لأنها تكون على مال مضمون وهذا ربا. بل وما فائدة تحديد الربح مقدماً إذا كان تقديرياً ولا يجوز ضمانه أو حتى ضمان أصل المال، وفي قوله سبحانه وتعالى:  ( وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ). (سورة لقمان: 34) ما يمنع الأخذ بهذا التقدير بأكثر من كونه تقديراً. ويستحيل في أرض الواقع أن يكون الربح الذي تحقق فعلاً مساوياً للمقدر، فإن دفُع المحدد تقديراً كان هذا أكل أحدهم لمال الآخر بالباطل.

وهذا بفرض أن البنك أستثمر المال وفق خبراته- والتي حدد بها الربح مسبقاً – مباشرة في التجارة أو الاجارة أو من خلال الاستثمار في شركة أو مشاركة أو مضاربة. وقد يدفعها البنك وكالة مرة أخرى إلى من يستثمرها فيحدد ربح هذه المعاملة الثانية مقدماً أيضاً، وهذا الربح يكون عادة أعلى من الربح الذي حدده لمن أعطاه المال ووكله فيه، وهذا غريب إذ كيف يكون تقدير ربح نفس التجارة مختلفاً، إلا لو قلنا أن الفرق هو أجر الوكيل وهو البنك، وماذا عن الذي أخذ المال ليستثمره فإن خسر دون مخالفة أو تعد فهل يطالبه البنك بالمال وربحه، وهو أن فعل يكون قد أربي.

لا مانع في التقدير إذا كان تقديراً وإذا نص العقد على أن الربح بينهما والخسارة على رب المال،  وعلى ألا يؤخذ بالتقدير وإنما يؤخذ بالنتائج الفعلية أيما تكون، أما العقد القائم على الأخذ بالتقدير -مع إمكانية معرفة الربح الحقيقي- فهو عقد تكتنفه جهالة ولا يصح معها. ولا يجوز لمسلم أن يقبل بربح مضمون على ماله المضمون وإن كان ماله قد حقق ربحاً فقد سقط حقه في الربح بقبوله ضمان ماله.

والعقد الذي يؤدي إلى الإلتجاء إلى القضاء كلما حدثت خسارة، هو عقد يؤدي إلى النزاع والتخاصم وكل ما يؤدي إلى مثل هذا يجدر منعه.

أما الحقيقة فإن هذا البنك يأخذ المال لقاء فائدة يدفعها إلى المودع ويقرضها إلى المقترض لقاء فائدة أعلى مما يدفعه إلى المودع، ولا يدري أو يهتم أكان هذا القرض إستهلاكياً أو إستثمارياً، ولا يأبه إن ربح الأستثمار أو خسر. ولا تتحدد نسب هذه الفوائد وفق الأرباح المتوقعة في نفس البلد وإنما تتحدد وفق قوانين العرض والطلب، وتحدد غالباً وفق سياسات إقتصادية في بلاد العملات الرئيسية وتختلف وفق العملة لا وفق التجارة أو الأستثمار، وكيف يمكن تفسير إختلاف فائدة الدولار عن الإسترليني في بلد ثالث، إلا أن يرسل البنك هذه الأموال، كلا إلى بلده ليستثمره هناك، ثم كيف تكون أرباح كل التجارات والأستثمارات في بلد واحد متساوية وتدفع وفق نسبة الفائدة!

الربا بيّن وواضح ولا يصح التقول فيما ورد في تحريمه نص قرآني، لا شك هنا ولا ريبة، والربح قبل حدوثه في عالم الغيب، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً، ولا يجوز في الشريعة الخرص والتقدير إلا إذا تعذر معرفة الكيل أو الوزن، وهذا في بعض البيوع والزكاة والمقاسمة، فإذا أمكن معرفة الكيل أو الوزن لم يجز الخرص، ولهذا لا يجوز الركون إلى التقدير مع إمكانية العلم بالعائد الفعلي عند نهاية الإستثمار. بل والخرص الذي جاء ذكره وأباحه الشرع في الحدود الضيقة المذكورة هو تقدير شئ موجود حاصل تراه العين وتقدره ولا يحتمل فيه الغرر بمعنى تقلب الشئ بين الوجود والعدم، أما التقدير المستقبلي الملزم مع إحتمال الغرر فيه فهذا لا يجوز.

وأخيرًا، كلنا نعلم أن البنك الربوي لم يقم بأي دراسة جدوى، ولم يقدر أي ربح، وفي العموم؛ ليس في نيته الإستثمار في مشروع يحتمل الربح والخسارة، بل هو في الواقع يقرض المال لأصحاب الأعمال وغيرهم لقاء فائدة، ومال القرض والفائدة مضمونان، فتكون الفائدة زيادة بغير عوض على مال مضمون، وهذا هو الربا.

الفائدة هي تعويض نقص القيمة الشرائية للمال:

وهناك أيضاً موضوع النقود وتغير قيمتها الشرائية زيادة أو نقصاناً، والقرض قد يكون عدداً من النقود الرائجة يرد بنفس العدد من النقود الرائجة، أو قيمة شرائية لهذا النقد المحتمل تغيره ترُد القيمة الشرائية له، ويجوز العقدان متى تحدد أيهما عند التعاقد. وجواز الأول لأن صاحب المال قد رضى أن يكون ضمان قيمته عليه فإن أرتفعت فله وإن إنخفضت فعليه، والمقترض كذلك فجاز لأن الخراج بالضمان ولهذا يشترط الإتفاق المسبق. والثاني لأنهما أتفقا على القيمة فأقرضه قيمة المال وكان على الثاني رد قيمته كأنه أقرضه طعاماً، فوجب عليه رد مثله عند حلول الأجل أي يكون ثمنه آنذاك. ويتم الأتفاق المسبق وفق ايهما؛ فإن كان على العدد رد مثله، وإن كان على القيمة رد مثلها كثر العدد ام قل، والله اعلم.

ولهذا لا يجوز إشتراط الزيادة مقدماً على النقود، ولا يجوز القول إن الفائدة المحددة مقدماً هي عوض إنخفاض قيمتها الشرائية، فهذه لا تعرف إلا عند حلول الأجل، وقد يجوز إشتراط رد مثل قيمتها، زيادة في العدد كانت أو نقصاناً، ويحدد هذا بربطها بسلعة معينة أو بذهب او فضة أو مجموعة من السلع وهي ما نعبر عنه بعامل التضخم وهذا تحدده السلطات كل ربع سنة.

وهذا يدخلنا في موضوع مهم، هو أن الدائن قد حفظ قيمة ماله النقدي لو إنخفضت قيمة هذا النقد وبهذا يكون قد انتفع من القرض، وهذا ليس صحيحاً فهو قد قرر فى ذلك الوقت أن هذا النقد الرائج يحتمل أن تنخفض قيمته ولو لم يقرضه لحوله إلى مال آخر كالذهب أو الطعام مما يحافظ على قيمته، فإن لم يظن احتمال انخفاض قيمته فلماذا يربطه بقيمته الحال وليس بعدده. والذى يأخذ القرض يستهلكه فى حينه بقيمته الشرائية آنذاك فيستبدله بغيره أو يستثمره فيُستبدل بمال غيره، فإن فعل فقد ملك سلعة حتى أوان سداد الدين فإن باعها يبيعها بقيمتها من النقد الرائج وقت البيع وهذا ما عليه رده، أى إنه أخذ النقد ليشترى به قدراً معيناً من الطعام فإذا حل الأجل فعليه رد مثل هذا القدر من الطعام، لأن المال وسيط فى هذه الحالة وكأنه داينه الطعام مباشرة، ولا يصح أن يبقى النقد فى يده طوال مدة الدين فإن فعل فلماذا أخذه من صاحبه فى المقام الأول.

ولا يجوز هذا فى قرض الذهب أو الفضة أو الأموال غير النقدية والتى ترد مثل عددها أو كيلها أو وزنها مثل بمثل، ويجوز فقط فى العملات الورقية أو المعدنية التى اكتسبت قيمتها باتفاق المجتمع وقبوله، والتى تزيد عن قيمة معدنها أو ورقها.

والنتيجة: الفائدة البنكية ربا.

مما سبق .. نجد أن الفائدة التى تحددها البنوك الربوية، وهى الزيادة المحددة مسبقاً دون عوض – والزيادة والأصل مضمونان – هى الربا المحرم والمجمع عليه، والقاعدة المجمع عليها هى فى تحريم أى زيادة دون عوض، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، والباطل هو ما لا قيمة له.

 

<< previous page next page >>