لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً

يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن القرآن نزل على مسلمي العهد الأول منجمًا، أي متفرقًا على فترة من الزمن امتدت زهاء 20 سنة، (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)  (32) سورة الفرقان. ومما وصلنا من تقسيم الآيات والسور مكي ومدني، نجد أن الأوائل، ولمدة 13 سنة لم يكن لديهم سوى الجزء المكي؛  وتنزلت بعد ذلك السور المدنية تباعًا حتى أكتمل القرآن في السنين الأخيرة. أضف الى هذا أن القرآن لم يوجد ككتاب بين أيديهم طوال سنوات الوحي، ولم يتم جمعه وترتيبه في كتاب إلا في زمان الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وحتى هذا كان في نسخة واحدة أو بضع نسخ على الأكثر.

ما أريد الوصول اليه، أننا في هذا العصر، والعصور التي سبقتنا، نرى القرآن ونتعامل معه على أنه كتابًا كاملاً، نقلب صفحاته ونقرأ منه ما نشاء وننتقل من جزء الى جزء ومن سورة الى سورة كيفما نشاء. ولكن هذا غير الذي عهده الأوائل الذين أسلموا ثم حملوا لواء الدعوة للدين الجديد، وبما خالجهم من إيمان قوي من جهة؛ وأسئلة ربما تكون قد دارت في أذهانهم وهم يتحاورون أو يستمعون الى حجج الكفار الذين يشككون في رسالتهم. في البداية، كان لديهم بضع آيات يحفظونها، ثم كثرت الآيات فأصبحوا بالإضافة الى الحفظ يكتبونها على الرقاع والعسب والجلد وما تسنى لهم، ولكن هذه الرقاع نادرة قليلة وليست متوفرة للجميع للإطلاع عليها، إضافة أن الأكثرية كانت لا تقرأ ولا تكتب.

لهذا نزل القرآن منجمًا، لأنه لو نزل مرة واحدة، في أول الدعوة عندما كان المسلمون بضعة أشخاص، لثقل عليهم الحمل وما استطاعو حفظه أو كتابته أو فهمه، وما كان ليكون له التأثير على المسلمين كالذي ينزل منجمًا يتعامل مع القضايا التي تواجههم كلا في وقته. كان القرآن المنجم كتاب هدى ووعظ وتشريع وتنظيم وبرهان وتوجيه، والتوجيه الذي يأتي في وقت الحدث أوقع من مجموعة توجيهات عامة تأتي مرة واحدة فينساها الناس، أو يحتاجوا في كل موقف أن يجدوا أيهم ينطبق على هذا الموقف فيستحضرونه. القرآن المنجم الذي تتعامل آياته المنزلة مع مستجدات عصرهم وقت التنزيل هو ما أحتاجه المسلمون الأوائل الذين آمنوا وحملوا المسؤولية الكبيرة.

وهذا يفسر لنا موضوع التكرار في القرآن، الذي يحاورنا فيه المشككون. المسلمون الأوائل لم يرونه تكرارًا لأنهم لا يحملون معهم كتابًا يقرأون فيه، بل وجدوا فيه ما يثبَّت أفئدتهم، وتذكرة لهم لما قد يكون قد جاءهم من قبل إلا أن له علاقة بالموقف الجديد الذي يواجهونه اليوم، وحيث أنه ليس من السهل عليهم إستحضار القديم ونشره وشرحه للعامة a، ونحن نتحدث هنا عن عامة المسلمين مع إختلاف ثقافاتهم وأعمارهم وتباعد أماكن تواجدهم، توجب تكرار المعلومة بسرد جديد يناسب الموقف المستجد وقت التنزيل.

كان الأهم للدعوة تذكير الأوائل وتثبيت فؤادهم وهم يواجهون المشركين والمشككين في البعث الذين بالرغم من أن القرآن أجابهم من قبل إلا أنهم يعاودون بعد ذلك بالتشكيك مما يستدعى إعادة الأجابة الأولى فتتكرر، مثال ذلك تكرر قصة خلق الإنسان (آدم) أكثر من مرة بصور أمرارا متشابهة وأخر مختلفة.

والعبرة في النتائج، ولا يوجد لأي عاقل أدنى شك، أن نزول القرآن منجمًا والتكرار كيفما تتطلب الموقف، هو السبيل لتثبيت فؤاد الرسول والذين اتبعوه، ولتوفير أفضل السبل لإنجاح الدعوة وانتصارها على القوى الكثيرة التي واجهتها وهي في مهدها وصباها.


  1. إذ لم يكن هناك مكتبة تضم كل قطع الجلد الذي كتب عليها القرآن الذي سبق، ولا جهة تقوم بالدراسة والبحث في الآيات السابقة المناسبة للموضوع المستجد ثم ربطها بما إستجد والإعلام  (back)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*